مشاركة
هيفي عيسى
خريجة كلية الحقوق جامعة الفرات - عملت في وكالة دورواز الإخبارية بإقليم كردستان، وتعمل حالياً مديرة مكتب شمال سورية في مؤسسة rojava24

لم يكن حال الإيزيديين في الشرق فيما مضى أفضل مما هو عليه الآن، فلطالما حيكت عليهم القصص والروايات والدعوات لاعتبارهم ‹كفاراً› بسبب اختلاف ديانتهم عن باقي من يجاورونهم في السكن سواء في المدن أو القرى، على الرغم من أن أتباع الديانة الإيزيدية كانوا يفضلون الاستقرار في المناطق الريفية لينعموا بالبعد عن أقاويل المدن والتجمعات الكبيرة.

ولعل الكارثة الأكبر التي حلت بأصحاب هذا المعتقد هو تسلط تنظيم داعش عليهم ومهاجمة قراهم وسبي نسائهم، كما حدث في شنكال بالعراق. ووصفت هذه الهجمات بمحاولة الإبادة الجماعية، حيث سجلت إحصائيات غير رسمية مقتل أكثر من 7000 امرأة خلال الهجوم على قرى شنكال، فيما وصف تقرير لمفوضية الأمم المتحدة هذه الجرائم بأنها من أخطر الجرائم الدولية الثلاث، وهي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والتي يقول عنها الإيزيديون إنها محاولة الإبادة رقم 74 التي يتعرضون لها على مر تاريخ المنطقة.

67 ألف نسمة هو العدد التقريبي للمكون الإيزيدي في سوريا، وذلك بحسب إحصائيات لمواقع خاصة بالدراسات السكانية في سوريا. هذا العدد كان قبل بدء حملات الهجرة إلى أماكن آمنة لا يوجد فيها من يتسلط عليهم بسبب دينهم ومعتقداتهم، وعانى هذا التواجد من مخاوف تكرار «فرمان شنكال» عليهم، وهم القاطنون في قرى كانت أقرب إلى هجمات داعش، خصوصاً في قرى الخابور بريف تل تمر، فكان مسلسل الهجرة إلى أوربا، حتى أن بعض القرى أصبحت خالية تماماً من سكانها، وبعضها الآخر قد تجد فيها رجلاً أو اثنين أو عائلة واحدة.

مشروع الإبادة مستمر من البعث إلى داعش

زرو، امرأة في الخامسة والأربعين من العمر من إحدى القرى القريبة من قرية الأسدية شرق رأس العين (سري كانيه)، والتي كان يقطنها، بحسب دراسات قديمة، نحو سبعين عائلة إيزيدية لم يبق منهم الآن إلا نذر يسير فيما هاجر البقية لأسباب مختلفة.

كنا تسعة عائلات في بيوتنا بنظام الانتفاع، أعطونا أراضينا، وبعد سنوات أتى حزب البعث وأخذ الأراضي منا وأعطاها للعرب

تقول زرو إن أهالي قرية الأسدية كانوا أقربائهم، إلا أن مؤيدي داعش ممن كانوا جيرانهم «دمروا القرية في ليلة ظلماء، أخذوا اثنين منهم كانوا من أقربائنا، قتلوهم ورموا جثثهم على الطرقات، بعدها ظن الناس أن الوضع سيهدأ وسيعود كل شيء كما كان، لكن بعد أن سمعوا بما حدث في شنكال، وكيف أن الناس تم ذبحهم ورمي جثثهم، بث الرعب بينهم وقرروا الرحيل ولم يبق أحد هنا».

أيضاً سليمان زروفي، أحد الإيزيديين من قرى ريف سري كانيه يتحدث عن معاناتهم فيما مضى وحتى الآن، فبحسب زروفي، مارست حكومة البعث في سوريا ممارسات ضارة كثيراً بحقهم والتي مثّلت بداية موجة الهجرة من سوريا بالنسبة للإيزيديين، فقد استولت الحكومة على أراضيهم ومنحوها للغير: «كنا تسع عائلات في بيوتنا بنظام الانتفاع، أعطونا أراضينا، وبعد سنوات أتى حزب البعث وأخذ الأراضي منا وأعطاها للعرب، بقينا هنا واشترينا بعض الأراضي، كل منا قام بشراء ما يقارب 200 دونم، وغيرنا لم يستطيعوا شراء الأراضي فهاجروا من هنا».

لم يبقى من الإيزيدية إلا القليل وهم أيضاً سيهاجرون إن استمر الوضع

اثنتا عشر قرية في ريف سري كانيه أصبحت خالية من سكانها الأصليين من الإيزيديين، فمعاناة أصحاب هذا المعتقد كبيرة وتوزعهم الجغرافي المشتت كذلك هو سبب من أسباب معاناتهم، فقراهم متباعدة، بعضها في ريف سري كانيه، وبعضها الآخر قرب حوض الخابور بجانب قرى الآشوريين في ريف تل تمر، وآخرون يعيشون بقرى عامودا.

تل صخر – جافة – شكرية – جان تمر – ازيدية – أسدية – لزقة – تليلية – مريكيس – تل بلال، هذه قرى إيزيدية في سري كانيه، بعضٌ منها مختلطة بين العرب والإيزيدية مثل قرية (ازيدية)، وبعضها الآخر مختلطة بين الإيزيدية والأرمن متل (مريكيس)، وأغلب القرى الإيزيدية حالياً لا يوجد فيها أحد، مثل قرية تليلية غربي سري كانيه، فلم يبق فيها أي بيت أبداً، أما في جان تمر، فمن أصل 20 منزل في القرية بقي واحد فقط فيه عدد من المسنين.

ألا ترين ما حدث في شنكال وما حدث لأهلنا هناك؟ أنا لم أهاجر لأن ظروفي المادية لم تسمح لي بالمغادرة لذلك بقيت هنا

وفي جان تمر، التقينا عبدي، وهو رجل مسن من القرية لم يهاجر بعد، وما زال هو وقلة مثله في القرية، ليس لأنه غير خائف مما تخبئه له الأيام، أو لأنه لم يكترث لما حدث في شنكال وقرى إيزيدية في سوريا، بل هو باقٍ هنا فقط لأن لا طاقة مادية له على الهجرة: «نحن ثلاث عائلات نعيش هنا في ظروف صعبة جداً، لا أحد يستطيع مساعدة أحد، باقي العائلات هاجرت إلى الدول الأوربية ومنها ألمانيا، ألا ترين ما حدث في شنكال وما حدث لأهلنا هناك؟ أنا لم أهاجر لأن ظروفي المادية لم تسمح لي بالمغادرة لذلك بقيت هنا».

القرى المجاورة لنا تخيفنا أكثر من داعش!

إبراهيم حاجي، رجلٌ ستيني من قرية ازيدية، يسرد لنا عن الوقائع التي جرت معهم منذ أن كانوا في هذه القرية وحلقات مسلسل الهجرة كيف بدأت: «كلنا أقرباء، كان يوجد في القرية 20 منزلاً، كانوا عمالاً وفلاحين يعملون لدى رجل مسيحي، وعندما حدث فرمان المسيحية قام هذا الرجل بإعطائهم تلك الأراضي، وبعدها قامت شخصيات عربية بانتزاع أراضيهم وأعطائها للعرب، لذلك لم يستطيعو (الإيزيديون) البقاء، ومع قدوم (اقتراب داعش) أصحاب اللحى خافوا من القتل والإبادة وتدنيس شرفهم، فغادرت أكثر من خمس عائلات إيزيدية القرية».

ويضيف حاجي بألم شديد كيف أن أشخاصاً من قرى مجاورة لهم هاجموهم وطردوهم من بيوتهم فقط لأنهم إيزيديون، ولأنهم سمعوا أن داعش تقترب، واعتقدوا أنهم سيحكمون المنطقة باسم الدين. يقول حاجي «إن بعضاً من أهالي قرية مجاورة هجموا علينا بالروسيات (الكلاشينكوف) وطردونا، قام أحد أقربائي بجمع عائلته وغادر القرية، لأنهم كانوا يريدون قتله. نحن لم نترك أرضنا بإرادتنا، كما تعلم أن الأرض والوطن غاليان، لكنهم أرادوا قتلنا وحرقوا بيوتنا، وكل عائلة خسرت ما يقارب 300 دونم من أراضيها، واستولى العرب عليها، ونحن رغم وجودنا هنا الآن إلا أننا نخاف».

هجموا علينا وطردونا وهددونا بالقتل بسبب ديننا وقوميتنا

لم يتبق إيزيديون، هربنا من الخوف والقتل، تلك البيوت التي كانت ستراً لنا أحرقوها، طردونا وكانوا يقولون لنا: أنتم كرد، هيا اذهبوا من هنا

تتوالى الشهادات حول فرار الإيزيديين ومحاولتهم النجاة بأرواحهم وأعراضهم مع اقتراب شبح داعش وإرهابه، ورغم أن داعش استطاع الوصول إلى القليل فقط من القرى الإيزيدية في الجزيرة، إلا أن حرق قراهم وقتل الرجال وتهديدهم كان في معظم قرى الإيزيدية والجناة كانوا من جيرانهم.

سلو، أحد الباقين في قرية شكري أيضاً يتحدث عن معاناتهم: «بيوتنا وأراضينا وأملاكنا كلها استولى عليها العرب وهجموا علينا، كان السبب أنهم قالوا لنا أنتم أصبحتم تتبعون حزب العمال الكردستاني، والآن لم يتبق إيزيديون باستثناء عائلة أو عائلتين في القرية، وخمس عوائل في قرية مجاورة، وأربع عوائل في قرية أخرى».

ويضيف سلو أنهم هربوا خوفاً من تكرار مأساة شنكال في قراهم، وتكرار 73 فرماناً سابقاً نُفذ بحقهم، ومحاولات عديدة لطمس هويتهم الدينية والقومية: «لم يتبق إيزيديون، هربنا من الخوف والقتل، تلك البيوت التي كانت ستراً لنا أحرقوها، طردونا وكانوا يقولون لنا: أنتم كرد، هيا اذهبوا من هنا. لم نغادر بإرادتنا، بل غادرنا غصباً، لم نكن نحن من دمر القرية».

لابد من توفير ضمانات لعودة المهاجرين

جابر جندو صحفي إيزيدي من قرية قزلاجوخ يرى أنه من الممكن أن تعود القرى الإيزيدية إلى الحياة ويعود إليها سكانها فيما لو حلت مشاكلهم وتوفرت لهم الضمانات: «الإيزيديون كانت لهم هجرة أيضاً قبل ظهور داعش، ولكن الهجرة الكبيرة حدثت أثناء ظهور داعش وجبهة النصرة وهجومها على قرى سري كانيه وعفرين، وحدوث حالات هجوم على بعض البيوت في الحسكة. الإيزيديون سيعودون، ولكن ليس بالشكل المطلوب قبل توفر ضمانات لحقوقهم، لأن أغلب الإيزيديين أخذت منهم الجنسية وسلبت أراضيهم، والبعض تعرض لخيانة جيرانهم وتعاونهم مع تنظيم إرهابي، وعدم وجود ضمانات لحقوقهم في سوريا المستقبل، وأيضا بسبب أن ألمانيا، البلد الثاني لهم، أمنت حياة أولادهم، وأصبح هناك شعور لدى البعض أن ألمانيا هي بلدهم».

البيت الإيزيدي في عامودا: الهجرة أخطر من داعش

مقر البيت الإيزيدي

عبر زياد رستم، الإداري في البيت الإيزيدي في قرية قزلاجوخ بعامودا، عن تخوفه من هجرة أبناء ديانتهم وأكد أن البيت الإيزيدي الذي تأسس على يد شيوخ الديانة الإيزيدية في المنطقة همه وشغله الشاغل هو حماية الإيزيديين وأملاكهم، قائلاً: «الأمر المهم الذي نعمل عليه هو حماية أملاك المغتربين من خلال تقديم مشروع قانون حماية أملاك المغتربين، هذا الشيء يعطي اطمئناناً للشعب الإيزيدي بأنه مازال هناك ما يربطه بأرضه. الشيء الآخر الذي نقوم به هو متابعة أمورهم حسب الإمكانات المتاحة».

وأضاف رستم: «الخطر الذي يهدد الشعب الكردي والسوري عموماً هو ما يهدد الإيزيديين أيضاً، وخطر الهجرة هو الخطر الذي نراه حالياً يهدد التواجد الإيزيدي في المنطقة أكثر من داعش الذي بدأ يتقلص».

هل يمكن أن تحل قضية المكون الإيزيدي محلياً؟

يتطلع من بقي من الإيزيديين إلى عودة أقاربهم وأبناء مكونهم إلى أراضيهم وممتلكاتهم، وتختلف وجهات نظرهم بين من يعتقد أنهم سيعودون في حال تم الحفاظ على أملاكهم واستردادها بالقانون الجديد (قانون حماية أموال المهاجرين)  الصادر عن الإدارة الذاتية كما تحدث المسؤول في البيت الإيزيدي، وبين آراء أخرى قد تكون متشائمة نوعاً ما ترى أن من تعوّد أبنائه على الحياة الآمنة والراحة في مدن أوروبا لا يمكنه أن يعيد أبنائه أو أن يعود هو إلى العمل في الأرض وإلى مخاوف الإيزيديين من الاضطهاد الذي يمكن أن يتعرضوا له من جوارهم بسبب معتقدهم، حتى بعد أن تمت عملية اجتثاث داعش فعلاً وزال خطرها.

هنا يبقى التساؤل موجوداً: هل يمكن أن تعود الحياة إلى ما كانت عليه قبل داعش؟ وهل يمكن أن تعود المكونات إلى التعايش في هذه المنطقة كما كانت قبل داعش؟

ملاحظة:

حذفت أسماء بعض القرى والدلالات الأخرى تجنباً للتحريض على الكراهية، والتزاماً بالمبادئ الأخلاقية والمهنية التي تؤمن بها روك أونلاين في نبذ التحريض على الكراهية.

Leave a Reply