الرئيسية رأي الكرد وعُصاب الهويات سورياً

الكرد وعُصاب الهويات سورياً

شيار عيسى
ماجستير في العلوم السياسية وكاتب وباحث كردي من سوريا، له العديد من الأبحاث المنشورة، مختص بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وصدر له كتاب بعنوان «تساؤلات في الديمقراطية- سوريا نموذجاً».
مشاركة

فتحت الثورة السورية الباب على مصراعيه لبروز العديد من الأزمات المزمنة، منها ما كان وليد تلك الثورة ووجدت حواضن، سواء كانت اجتماعية أو فكرية، لتكون حاملاً لها ولتفرض تلك المعضلات كواقع لا يمكن التنصل منه ويستلزم إيجاد صيغ لحلها توافقياً، ومنها ما كان كامناً أدت المتغيرات التي حدثت إلى تأجيجها بعد عقود طويلة من حالة الأمان المستتر الذي كان مفروضاً نتيجة عدم وجود مناخ للحوار وطرح مختلف القضايا الإشكالية، لرغبة النظام في الحفاظ على الاستقرار دون رغبة جدية في حل تلك القضايا.

سياسة النظام تلك في تأجيج الصراعات ما قبل المدنية بأشكالها المتنوعة، سواء كانت قومية أو مناطقية أو طائفية، سواء قبل الثورة بشكلها الكامن، أو بعد تفجرها أثناء الثورة، لم تكن لتستثني الكرد، بل كانوا أهم مفاصلها والمتضرر الأكبر منها، وأدت فيما أدت إليه إلى لعب دور مهم في تبلور إشكالية قضية الانتماء لدى الكردي السوري، التي بدأت بالتكرس بعد الثورة وتتمحور في إطار درجة الانتماء لدى الكردي السوري للدولة السورية، وعن الهوية السورية الجامعة وارتباطها أو نكوثها مع الهويات الفرعية لمختلف المكونات السورية، وحالة العصاب الهوياتي في سوريا ما بعد الاستقلال إلى يومنا هذا.

كان مشروع بناء دولة سوريا لكل السوريين، بمختلف انتماءاتهم الفرعية، قد أصيب بانتكاسة مروعة بعد الاستقلال عن فرنسا، لصالح عصاب الهويات الفرعية كنتيجة لتعالي الأصوات التي لم ترى في سوريا إلا وطناً للمكون العربي ويختزل تاريخها فيه، ويعتبر الهوية العربية هوية جامعة لكل من يعيش عليها في نكوصٍ عن الحالة التي تشكلت أثناء الانتداب الفرنسي، والذي تجلى على شكل مقاومة الانتداب ليشكل شبه هوية سورية جامعة لدى مختلف المكونات التي لم ترى في تصرفات النخب السياسية ما بعد الاستقلال ما يعبر عنهم، وخاصة الكرد الذين قوبلوا، ورغم كل تضحياتهم، بمشاريع وقوانين فرقت بينهم وبين السوريين على أسس عرقية بحتة. وكبديل عن استغلال التنوع العرقي والديني والطائفي لتشكيل هوية سورية هجينة من ثقافات تلك المكونات، تبنت الحكومات السورية المتعاقبة مقولات نحت نحو إلغاء الآخر المختلف قومياً، مما كرس حالة الانغلاق لديهم، وتراجع حالة الانتماء الوطني للدولة السورية؛ ويقصد بالانتماء الوطني ثالوث الانتماء للمكان، للشعب وللنظام السياسي.

لوضع تصور معقول للانتماء، يتوجب علينا التفريق بين الانتماء الغرائزي الفطري الذي  يولد مع الإنسان، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة الإنسان الذي يرتبط ببيئته التي نشأ فيها متمثلاً بالانتماء للمكان، وبين الانتماء المكتسب الذي قد يتبدل مع بداية تكون الوعي السياسي، ويتمثل في هذه الحالة بالانتماء للشعب والنظام السياسي. لا يُقصد بالانتماء للنظام السياسي، الانتماء للسلطة الحاكمة، رغم ما يعتري المفهومين من تداخل قسري في الأنظمة غير الديمقراطية، بل قبول العملية السياسية، من خلال الشعور بالتأثير فيها والممارسة العملية للحقوق والواجبات فيها وهو ما يتحقق عادة في الدول التي تستند في بنائها على نظم وآليات ديمقراطية تضمن أكبر مشاركة مجتمعية في اتخاذ القرارات.

أدى شكل بناء الدولة السورية الحديثة، وما اعتراها من تهميش للكرد وعدم الإشارة إليهم في العقد الاجتماعي، وارتكاب شتى أنواع الانتهاكات بحقهم، إلى حالة اغتراب حقيقية عن الواقع السياسي، بل إن العملية السياسية برمتها لم تكن لتعني الإنسان الكردي، ما أدى إلى خلل في أهم ركن في ثالوث الانتماء، الأمر الذي أدى بدوره إلى انغلاق أبناء الشعب الكردي والتفافهم نحو حاضنة أخرى هي حاضنة الشعب الكردي بعد دفعهم نحو ذلك دفعاً نتيجة الإجراءات التي مورست ضدهم، وبالتالي حدث خلل في ثاني أركان ثالوث الانتماء الوطني.
أدى ما سبق ذكره إلى تماسك الضلع الثالث في ثالوث الانتماء ألا وهو الانتماء للمكان، وهو كما وسبق ذكره، فطري يولد مع الإنسان وقد تعزز ذلك الشعور نتيجة حالة الشعور بالغبن، بالإضافة إلى عوامل أخرى لا تتعلق بموضوع هذه المقالة، لكن لصالح القومية الكردية فتعزز الشعور بالانتماء إليها والمطالبة بوطن قومي للكرد على غرار باقي الأمم.

شكلت الثورة السورية انطلاقة جديدة في تاريخ الدولة السورية، وكانت في بداياتها تبشر ببداية حقبة الجمهورية الثانية، وتعالت الأصوات نحو بناء دولة سوريا لكل السوريين، وتشكيل هوية سورية جامعة، لكنها سرعان ما تراجعت نحو مقولات كانت تشبه إلى حد بعيد حالة النكوص الهوياتي في عهد ما بعد الاستقلال وعهد البعث، فتشكّل تدريجياً ما بدأ يُعرف بالهوية الوطنية السورية، حتى أنّ مقولات من قبيل «كلنا سوريون» بدأت تستخدم لحمل مضامين ذات دلالات قومية؛ لأنّها كانت لا تعني بالضرورة أن تكون سوريا وجيشها ومقدراتها لكلّ السوريين، ولم يجد أغلبية مطلقي هذه التسمية حرجاً من اعتماد ثقافة ولغة واحدة للشعب السوري، وبذلك تكون «الهوية الوطنية السورية» بشكلها هذا، شكلاً آخر من أشكال هوية الأكثرية العربية، وكانت مجرد وسيلة تسويقية أخرى لها، وكذلك وسيلة لحمل الآخر المختلف على قبول سياسة الأمر الواقع.

ترافقت هذه المقولات مع تبني هوية إقصائية أخرى هي الهوية الإسلامية، التي لم تختلف بمضامينها عن «الهوية الوطنية السورية» الجديدة من حيث عدم تمثيلها للكل السوري وعدم خروجها عن بوتقة القومية العربية وإقصائها للآخر المختلف.

تشكيل هوية سورية جامعة تضم في إطارها الكرد تحتاج إلى مراجعة حقيقة لتاريخ سوريا المعاصر، وما رافقها من تطورات، والتصرف على أساس ذلك، وهو ما تفعله بعض الشخصيات المعارضة، التي تدعو لاعتبار القضية الكردية في سوريا قضية وطنية سورية وقضية لكل مواطن سوري، وربما يتوجب على النخب السياسية العربية الذهاب أبعد من ذلك لاعتبار القضية التحررية الكردستانية قضية سورية بامتياز، والدفاع عن الحقوق الكردية في كل مكان وليس فقط في سوريا، كما دافع الكرد لعقود عن حقوق الشعب الفلسطيني وقدموا شهداء في سبيل تلك القضية.

Leave a Reply