مشاركة

حمزة همكي

«أنا في الصف السادس. لكن غدوت بمفردي. وتم وضعي بين تلاميذ الصف الخامس والرابع, لذا كنت أستمع إلى ما يأخذون من دروس. قرروا أن يضعوني في شعبة بمفردي بداية العام الدراسي مكثت فيها الأسبوع الأول ثم انضممت إلى الشعبة المشتركة بين ثلاثة صفوف».

بهذه العبارات افتتحت الطفلة آية سعدون (12 عاماً) قصتها مع المدرسة خلال العام المنتهي حديثاً. وتضيف في الورقة التي قامت بتحضيرها باللغة الكردية على إثر إخبارها من قبل والدها بأن لقاءً صحفياً سيجرى معها: «بقيت لثلاثة أشهر بدون كتب وقدمت الامتحانات الفصلية من دونها».

وتعيش آية مع أسرتها المكونة من أب وأم وثلاث فتيات هي صغراهن سناً, في قرية توكل شمال غربي بلدة جل آغا (الجوادية) بنحو 10 كم. تلك القرية التي يتقاسم مدرستيها الابتدائية والإعدادية تلاميذ كرد من القرية القديمة وتلاميذ من عرب الغمر.

عانى كرد سوريا مذ تناهى إلى سمع السوريين نبأ الاستقلال من الانتداب الفرنسي في العام 1946من حرمانهم التعلم والتعليم بلغتهم الأم واشتدت وطأة هذه المعاناة بعد اعتلاء آل الأسد السلطة في البلاد في العام 1970, إلى أن قام حزب الاتحاد الديمقراطي بإعلان الإدارة الذاتية في العام 2013 عقب سيطرته على مناطق الشمال الشرقي من سوريا وإدراج منهاج باللغة الكردية في مدارس بمدينة قامشلو في العام 2015, لكن تاريخ 11 تشرين الثاني 2012 يعتبر أول يوم تدخل فيها الكردية إلى المدارس ولو بشكل جزئي اقتصر على مادة واحدة حينها.

بيد أن ذلك لم يمنع من تعرض النظام التعليمي الذي أحدثته هيئة التربية التابعة للإدارة الذاتية وإدراج منهاج اللغة الكردية في المدارس، لانتقادات.

افتقار للكادر التدريسي والمناهج المؤهلة

الحقيقة إن بعض الكوادر أتوا للتدريس في القرية على فترات متقطعة, ومع ذلك فإن مستواهم المعرفي كان أدنى من مستوى التلاميذ في بعض الأحيان

«ما مِنْ مواطن كردي يرفض التعليم باللغة الكردية أو يرفض إرسال أطفاله للمدارس الكردية, لكن ليس كما تريده سلطات الإدارة من عملية حرق للمراحل وإهمال لشروط وأسس تغيير المناهج بما يلائم طبيعة المجتمع والمراحل العمرية ومدخلات ومخرجات العملية التربوية, لأن العملية التعليمية في أي مجتمع هي كل متكامل لا تقتصر فقط على تغيير المناهج, بل تشمل حاجات المجتمع وطبيعة أبناءه وقدراتهم وذويهم والقائمين على سير هذه العملية من مؤسسات وإداريين وكوادر» يقول مدرس متقاعد اشترط عدم نشر اسمه.

تسود حالة من الاستياء لدى أولياء التلاميذ الكرد في قرية توكل, فالمدرسة وفقاً لهؤلاء تفتقر للكادر التدريسي وتفاقم هذا الاستياء تبعاً لتزايد هاجسهم من التخوف على مستقبل أطفالهم الذين باتوا ينصرفون إلى اللعب واللهو في أزقة القرية معظم ساعات النهار نتيجة الفراغ الحاصل في التعليم.

«مضت السنة الدراسية هذا العام بدون دراسة أو اهتمام, لم يكن هناك كادر تدريسي, حتى الكتب لم تكن متوفرة, لذا في الأشهر الأخيرة من العام الدراسي طلبت إدارة المدرسة, والتي تتكون من مديرة دون كوادر, طلبت منا أن نقوم بنقل أطفالنا إلى إحدى مدارس القرى المجاورة بشكل مؤقت لكنا رفضنا ذلك» يقول بشير سليمان أحد أهالي القرية وأب لأربعة أطفال. يضيف: «الحقيقة إن بعض الكوادر أتوا للتدريس في القرية على فترات متقطعة, ومع ذلك فإن مستواهم المعرفي كان أدنى من مستوى التلاميذ في بعض الأحيان».

ويقول سعود سعدون، وهو والد الطفلة آية: «انتهى العام الدراسي وتسلمت آية جلاءها المدرسي شكلياً دون الخضوع إلى الامتحانات. الأمر غريب حقاً, فابنتي حصلت على شهادة فخرية! وأتساءل هنا عن السبب؟»

ويضيف سعدون قائلاً: «ما يبعث فينا الأمل هو فتح الإدارة الذاتية لبعض الأفرع الجامعية والمعاهد لكن إلى أن يصل أبناءنا إلى المراحل الجامعية يتطلب ذلك إعداد التلاميذ في المراحل الابتدائية و الإعدادية والثانوية إعداداً جيداً حتى يتمكنوا من الوصول إلى المرحلة الجامعية بجدارة. لكن مع الوضع التعليمي الراهن لا أعتقد أن يصل أبناءنا إلى المستوى المعرفي والأكاديمي المطلوب».

دفاع حبو

دفاع حبو وهو موجه اختصاصي لمادة التربية الرياضية في المجمع التربوي الحكومي بالقامشلي. يرى أن هذه الخطوة غير منطقية في الوقت الراهن لأنها أحدثت بشكل مفاجأ. يقول: «أن نأتي بصورة مفاجئة ونقوم بتغيير كلي للمناهج فذلك يشكل تأثيراً سلبياً على وضع التلاميذ والمدارس».

ويتفق رافع إسماعيل الذي يحمل شهادة دبلوم في التأهيل التربوي مع ما ذهب إليه دفاع حبو بالقول: «خلقت حالة التغيير المُفاجئ للمناهج من العربية إلى الكردية، دون الأخذ في الحسبان مراعاة أسس وشروط تغيير المناهج، حالة من التخبط والخوف بين أولياء الطلبة, وخاصة من ذوي التوجهات المختلفة سياسياً مع الإدارة الذاتية, فمستقبل أطفالهم بات على المحك من قبل جهات لا يثقون بها وبأيديولوجياتها ليسلموا لهم عقول هؤلاء الصغار».

ويضيف إسماعيل: «إن هواجس الناس اتجاه الكادر التعليمي غير المؤهل أصلاً لإدارة العملية التعليمية بالشكل العلمي الصحيح والمطلوب, إضافة إلى محتوى المناهج الذي كان مصدر قلق لدى الكثير من الأهالي, بالتوازي مع عدم اعتراف أية جهة رسمية محلية ودولية بهذه المناهج التي وضِعت وفُرِضتْ من قِبل طرف واحد لازالت سُلطته وسلوكه العام يلقى معارضة شريحة كبيرة من المجتمع».

ويؤكد ما ذهب إليه بالقول إن: «كل هذه العوامل مجتمعة وضعت ذوي هؤلاء الطلبة أمام مفترق طرق, فمنهم من رفض إرسال أطفاله إلى المدارس التي تشرف عليها مؤسسات الإدارة الذاتية التربوية وقامت بتسجيلهم في مدارس بأحياء أخرى ذات غالبية عربية أو تسجيلهم في المدارس الخاصة المسيحية بعد أن قامت سلطات الإدارة بإغلاق بقية المدارس الخاصة, ومنهم من لم تسعفه أحواله الاقتصادية في إرسال أطفاله إلى مدارس أخرى بعيدة أو خاصة فبقي أطفالهم دون تعليم. الأمر الذي خلق حالة إهمال لعملية تعليم أطفالهم بطريقة انتقامية من تغيير المناهج مصاحبة بحالة من اليأس والقلق نتيجة بقاءهم في المنزل دون تأمين ديموقراطية التعليم لهؤلاء الأطفال».

من حقي ومن حق الآخرين أن يكون لنا رأي واعتبار في الرفض والقبول, وعلى القائمين في الإدارة الأخذ بالحسبان هذه الأمور

ويضيف: «هذه الفروقات والتباينات في الالتحاق بالمدارس زادت من حالات الشرخ والانقسام بين أبناء الحي الواحد تبعاً لالتحاق أطفالهم بمدارس مختلفة وتراشقهم فيما بينهم بتُهم مختلفة والتعنيف اللفظي لكل طرف في الدفاع عن سلبيات وإيجابيات مدارس أبنائهم القديمة والجديدة. من حقي ومن حق الآخرين أن يكون لنا رأي واعتبار في الرفض والقبول, وعلى القائمين في الإدارة الأخذ بالحسبان هذه الأمور في أي تغيير وخاصة فيما يمس مستقبل أطفالنا».

تمييز بين الطلاب

ويشرح والد الطفلة آية، سعود سعدون، لروك أونلاين: «كنا نأمل أن يتعلم أطفالنا لغتهم ويعلموا بها لكن مع الأسف بدل أن يتقدموا في مراحل الدراسة عادوا إلى الوراء. فابنتي آية كانت من المجتهدات في صفها, وبعد وصولها إلى الصف السادس وتطبيق قرار المناهج الكردية قامت الإدارة بفصلها عن التلاميذ العرب لأنها كانت الوحيدة الكردية بينهم في الشعبة, وبشكل اتوماتيكي باتت في الصف الخامس كمستمعة».

ويتحدث بشير سليمان من أهالي قرية توكل لروك أونلاين عن نقطة يراها بالغة في الأهمية كون المدرسة مشتركة بين مكونين فيقول: «مدرسة القرية مقسمة بين المكونين العربي والكردي, وبعد الفرز على أساس المنهاج الكردي والعربي ظهرت بعض المشاكل من نواحي التمييز, وظهور حالات من الغيظ بين التلاميذ خاصة أن تلاميذ المنهاج العربي كانوا يأخذون حصصهم الدراسية على أكمل وجه, بينما تلاميذ المنهاج الكردي لم يكونوا يحصلون على شيء من التدريس الأمر الذي كان يدفع بهم إلى الغيظ».

ويشرح دفاع حبو في حديثه لروك أونلاين: «مجتمع الجزيرة مجتمع متنوع وعبارة عن لوحة فسيفساء متكاملة, فجلوس العربي إلى جانب الكردي إلى جانب المسيحي ويتلقون تعليماً واحداً ومنهاجاً واحداً ذلك أفضل بالتأكيد. فالإدارة الذاتية تنادي بمفاهيم الديمقراطية والأمة الديمقراطية وخطت خطوات إيجابية في هذا الاتجاه. الفصل بين أبناء المكونات من جهة التعليم لا يخدم ما تنادي به الإدارة الذاتية من مفاهيم أخوة الشعوب».

تعطيهم الحرية في بقاء طلبة المكون العربي في صف الطلبة الكُرد أو البقاء في صفوف الطلبة العرب ثم تحجب حق الاختيار هذا عن طلبتها الكُرد

من جهته يرى رافع إسماعيل أن موضوع فصل الطلبة العرب عن الكرد في مدارس القرى المُشتركة «بمثابة تناقض صارخ في بنية الأفكار والأدبيات التي تتبناها الإدارة في أطروحاتها وأنظمة وقوانين العمل التي تعلنها في تفاصيل عقدها الاجتماعي التي أشرفت على وضعها؛ إذ كيف لجهة تدعو إلى الأممية والعيش المُشترك أن تقوم بمثل هذه التصرفات في فصل أبناء القرية الواحدة عن بعضهم البعض أو تعطيهم الحرية في بقاء طلبة المكون العربي في صف الطلبة الكُرد أو البقاء في صفوف الطلبة العرب ثم تحجب حق الاختيار هذا عن طلبتها الكُرد! ألا يعُتبر هذا التصرف نوعاً من التمييز العنصري في حال القيام بعملية الفصل؟ أو استبداداً فكرياً في حالة فرض نموذج تعليمي معين دون غيره على الآخر دون ترك باب حرية التعليم مفتوحاً أمامهم؟ ثم كيف لجهة تعتبر نفسها ضد الفكر القومي والنزعة القومية أن تقوم بفرض هذا النموذج والمنهاج بشكل إجباري؟»

وجهة نظر مغايرة

من جهتها, تبدو الرئيسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم, سميرة حاج علي, واثقة من مدخلات ومخرجات النظام التعليمي والقرارات التي تم اتخاذها بهذا الصدد إلى الآن, وتقول في حديث لروك أونلاين: «الانتقادات التي توجه لنظام التعليم ومؤسسته ينبغي أن تأخذ في الحسبان عامل المرحلة الزمنية في ظل خوض المجتمع للثورة على كافة الأصعدة العسكرية والمجتمعية, ويأتي التعليم والتربية في درجة بالغة الأهمية. فلكي نقوم بخطوات جدية في التغيير يجب أن نقوم بإزالة مناهج السلطة القديمة وإحلال مناهج الإدارة الذاتية محلها».

وتضيف: «في البداية قمنا بإدراج مادة للغة الكردية في المدارس, ثم بدأنا بعد ذلك بوضع منهاج لثلاثة صفوف ابتدائية حتى وصلنا هذا العام إلى تغيير منهاج المرحلة الابتدائية بالكامل ولكافة المكونات دون تمييز لأننا نسعى إلى أن يقرأ كل مكون بلغته ووفقاً لثقافته وتاريخه».

سميرة حاج علي

وتبرر الانتقادات الموجهة إلى مؤسسة التعليم: «الانتقادات تأتي لأن هنالك أمور لم تتضح في ذهنية المواطن, هذا الأمر يتطلب المزيد من الوقت والجهد. لدينا الآن 1500 مدرسة ابتدائية تدرس منهاج الإدارة الذاتية ويتعلم فيها نحو 165 ألف طالب وطالبة. لكن مدارس المراحل الإعدادية والثانوية تدرس فيها مناهج النظام وفي المرحلة القريبة القادمة سنقوم بإدراج منهاج الإدارة الذاتية لهذه المرحلتين أيضاً».

وتؤكد: «لن يضيع مستقبل أطفالنا لأننا فتحنا إلى الآن خمسة كليات وعندما ينتهون من مراحل الدراسة سيلتحقون بتلك الكليات».

وتشير إلى مسألة الفصل بين المكونات في المدارس المشتركة بين الكرد والعرب بالقول: «لا يعني ذلك تمييزاً بل على العكس لأن التمييز يأتي حينما تقيم مدارس خاصة بكل مكون بشكل منفصل. هؤلاء التلاميذ في المدرسة الواحدة كل يتعلم بلسانه ولغته وفي أوقات الاستراحات يلعبون سوية دون تمييز ويتبادلون ثقافاتهم».

وتنتقد حاج علي نظام التعليم في المدارس الحكومية وما آلت إليه: «المدارس التي يعلم فيها منهاج الدولة وبشكل خاص طلاب شهادتي الإعدادية والثانوية تمر بمرحلة فساد بالغة, فالامتحانات تجري بأساليب النقل والغش بكافة الوسائل المتاحة. إذاً ماذا ستخرج لنا هذه المدارس من الأطباء والمهندسين؟ هدفنا ليس أن يحمل أبناءنا شهادات حصلوا عليها بالغش, وهدفنا ليس أن يدرس أبناءنا فقط للتوظيف في مؤسسات الدولة وقبض الرواتب منها, بل هدفنا أن يعيش ويدرس أبناءنا لغتهم بحرية ويتلقوا التعليم المناسب».

وأنهت آية ذات الاثني عشر ربيعاً ما كتبته في الورقة بلغتها البسيطة لتقول: «زملائي التلاميذ العرب الذين كنت أحصل على الدرجة الأولى بينهم أخذوا حصصهم الدراسية على أكمل وجه بينما لم أحصل في هذا العام إلا على حصتين فقط في الأسبوع الواحد على مدار السنة».

Leave a Reply