شاركها

سامان علي

تقوم منظمات المجتمع المدني في الدول المتقدمة والتي تطورت فيها مفاهيم الديمقراطية بدور فعال في الحياة العامة بتشكيل مجموعات ضغط تهدف إلى تطوير المجتمع في مختلف المجالات، وبالتالي العمل بإطار تعاوني بينها وبين السلطة السياسية أو الدولة، ولعب دور الوسيط بين المؤسسات الرسمية وتلك الكيانات الاجتماعية بهدف تعميق المفاهيم المدنية والمشاركة الاجتماعية في صنع القرارات، وتنفيذ مشاريع تنموية عديدة إلى جانب الدولة أو نظام الحكم القائم، حيث أن تعزيز العلاقة بين المجتمع المدني والبرلمان كفيلٌ بتقليص الفجوة الموجودة بين المواطن والسلطة.

وتتم هذه العملية التشاركية من خلال إنشاء (مكاتب أو دوائر) ضمن مؤسسات الدولة، أو حتى تشكيل وزارات خاصة مهتمة بالشأن المدني ومؤسساته، فعلى سبيل المثال هناك (مكتب المجتمع المدني) في المملكة المتحدة، وفي كرواتيا (مكتب التعامل مع المنظمات غير الحكومية) كأمثلة أوروبية. ونجد تجارب مشابهة في الشرق الأوسط وأفريقيا مثل المغرب التي شكلت وزارة مسؤولة عن العلاقة بين البرلمان والمجتمع المدني، وفي إقليم كردستان العراق تبنت المؤسسات غير الحكومية والحكومة والبرلمان ميثاق الشراكة والتنمية بين السلطات العامة والمنظمات غير الحكومية، ولعلها كانت السابقة الأولى من نوعها في الشرق الأوسط.

وتخدم هذه الإجراءات إيجاد قنوات تواصل أكثر فعالية بين المجتمع المدني والسلطات في الدولة لتلعب دوراً في (المراقبة، المساءلة، تشريع القوانين، رسم سياسات التنموية… إلخ) إلى جانب الدولة، وذلك ضماناً لتطبيق الديمقراطية والارتقاء بها، وعدم إقصاء أي جهة مدنية عن حق المشاركة بصنع القرارات ورسم الخطط التنموية في المجتمعات .

ويقول الكاتب شيار عيسى في هذا الصدد: «لمنظمات المجتمع المدني عدة أدوار، ولعل أهمها دورين يتلخص فيها العمل المرجو من المجتمع المدني، أما الأول فهو أن تكون المنظمات ومراكز المجتمع المدني صلة وصل بين الحكومات والمواطنين، بمعنى أن تكون عاكسة لاحتياجات المواطنين على الحكومة، أما الثاني فهو أن يكون للمجتمع المدني دور في الضغط على الحكومات في مختلف المواضيع المتعلقة بالمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، والكثير من المواضيع الأخرى المتنوعة».

هل هناك دور لمنظمات المجتمع المدني في النواحي السياسية والاجتماعية في روجآفا؟

ستعجز أية حكومة كانت بعد الحرب أن تفي بمتطلبات مواطنيها إن لم يَقم المجتمع المدني بدوره

إلا أن الحالة في روجآفا لا زالت بعيدة عن الأمثلة سالفة الذكر، وذلك كون الإدارة الحالية، والتي تتفرد بمقاليد الحكم في المنطقة، لا تطمح إلى إعطاء أي دور لمؤسسات المجتمع المدني، بل تقوم بتهميش الكيانات المجتمعية غير العاملة تحت سيادتها، إضافة إلى أن أدبيات المجتمع المدني تفترض الحفاظ على استقلالية هذه المنظمات من خلال العمل على تطوير آليات تمكنها من الحفاظ على هذا المبدأ الأساسي في مجال العمل المدني، لذلك انتهجت منظمات المجتمع المدني في المناطق الكردية إلى حدٍ ما مبدأ الحياد تجاه الأزمة السياسية القائمة في تلك المناطق.

يقول المدير التنفيذي لمنظمة شار للتنمية في قامشلو، بيروز بريك، لروك أونلاين «إنّ دور المجتمع المدني من النواحي السياسية والاجتماعية شبه غائب، وهذا عائدٌ لسيادة مظاهر العسكرة والحرب على المشهد العام، إضافة لعوامل أخرى ذاتية وموضوعية كثيرة».

ويضيف بريك «في العموم يجب الحفاظ على المنظمات والمبادرات الموجودة، ولاسيما المستقلة سياسياً منها، والمساعدة في تأسيس منظمات أخرى وفق معايير عصرية لما ينتظر منها مستقبلاً، إذ ستعجز أية حكومة كانت بعد الحرب أن تفي بمتطلبات مواطنيها إن لم يَقم المجتمع المدني بدوره».

ويرى شيار عيسى أن غياب دور المجتمع المدني يؤدي إلى «خلل في الحالة المجتمعية، بحيث أن الحكومات تمارس سياساتها دون وجود رقيب عليها من المجتمع المدني، وهذه الحالة خطيرة. ففي المناطق الكردية إمكانية الضغط على الحكومة المحلية المتمثلة بالإدارة الذاتية إمكانية ضعيفة جداً، فهنالك خطوط حُمر لا تستطيع منظمات المجتمع المدني المحلية تجاوزها، ومن هذه الخطوط الحُمر موضوع المشاركة السياسية والمشاركة المجتمعية في اتخاذ القرار».

اليوم الذي تطلب فيه مؤسسات المجتمع المدني السلطة أو تتحول إلى صاحبة السلطة نفسها فإنها تفقد صفتها التي أنشأت على أساسها

من جهته، يحذر الكاتب الكردي إبراهيم خليل من إمكانية تحول منظمات المجتمع المدني في روجآفا عن وظيفتها الأساسية نحو وظيفة سلطوية، إذ يقول خليل: «أعتقد أنه من الضروري جداً في ظل الأوضاع غير الطبيعية كأوضاعنا اليوم إدراك المهمة الحقيقية لمؤسسات المجتمع المدني والتقيد بها، خاصة فيما يتعلق بطبيعة العلاقة مع أي سلطة أو نظام حاكم. وهذه المهمة تتمثل في إعداد أبناء المجتمع إعداداً سليماً، عبر نشر مفاهيم التعايش والتسامح فيما بينهم وملء حيز الفراغ بين الحكومة والشعب، وعليه فإن الدخول في الحكومات والوزارات والبرلمانات يدخل المجتمع المدني في دوامة اللعبة السياسية ويجعله موضع مساءلة، وهو ما لا يجب أن يكون».

مضيفاً بالقول: «هذه المؤسسات في مجملها جهاز مدني بحت، له دور متمم لدور الدولة، واليوم الذي تطلب فيه مؤسسات المجتمع المدني السلطة أو تتحول إلى صاحبة السلطة نفسها فإنها تفقد صفتها التي أنشأت على أساسها».

الإجراءات والقيود التي تفرضها الإدارة الذاتية على دور المجتمع المدني

ولم يصدر لحد الآن أي قانون أو قرار عن الإدارة الذاتية أو عن مجلس سوريا الديمقراطية يقضي بمشاركة أو حتى مراجعة المنظمات الحقوقية المدنية أو غيرها من مؤسسات المجتمع المدني بغية تعديل مشروع قانون أو إعادة النظر فيه.

ويقول شيار عيسى إن الإدارة الذاتية أصدرت قوانين «ليس للمجتمع المدني أي دور في صياغتها، وهذه القوانين أحياناً تمس جوهر العمل المدني، كقانون ترخيص المنظمات والتي لم تُشرك فيه المنظمات، بمعنى كان من المفروض أن يكون للمجتمع المدني بصمة واضحة في صياغة هذه القوانين إلا أن الإدارة الذاتية أغفلت دور المجتمع المدني. وهذا مؤشر خطير يدعو للريبة، إذ أن المنظمات التي من المفترض أن تكون صلة وصل بين المجتمع والإدارة الذاتية، ومن المفترض أن تكون ضاغطة، هي الأخرى تُفرض عليها قوانين تحد من عملها ومفاهيمها وتُهمش».

ولا تكتفي الإدارة الذاتية بعدم إفساح المجال أمام المؤسسات العامة في مجال المجتمع المدني للمشاركة في صياغة القوانين، بل تشكو الكثير من هذه المؤسسات من الإجراءات والقيود التي تفرضها الإدارة الذاتية على تحركاتهم ونشاطاتهم المدنية والتي تحتاج في أغلبها إلى موافقة.

يجب على هذه المنظمات أن تحصل على الترخيص من قبل الإدارة الذاتية حتى يمكنها ممارسة أنشطتها وأحياناً يفرض عليها أن ترخص لكل نشاط أو مشروع أو محاضرة ونيل الموافقة مسبقاً

وأقدمت الإدارة الذاتية في شمال سوريا على تشكيل مكتب لشؤون المنظمات تحت مسمى (هيئة العمل وشؤون المنظمات المدنية)، إلا أنها حصرت مهمتها بمراقبة المنظمات وتقييد عملها ضمن مشاريع تريدها هي، وتمنعها من تنفيذ مشاريع تخص التعليم والأطفال والمرأة، ولاسيما ورشات العمل التي تتناول في مواضيعها قضايا الإعلام ورصد الانتهاكات، وتفرض عقوبات على المراكز التي تعمل بهذا الإطار، ما يجبر الأخيرة في الكثير من الأحيان على تغير عناوين مشاريعها تفادياً لرفض هيئة شؤون المنظمات لهكذا نوع من المشاريع، بحسب نشطاء المجتمع المدني.

وبهذا الصدد تحدث الكاتب سالار صالح، المقيم في مدينة الحسكة لروك أونلاين عما تواجهه المراكز المدنية من عراقيل تفرضها الإدارة الذاتية: «تواجه هذه المنظمات عوائق كثيرة تتوزع بين المادية والبشرية وإجراءات الترخيص، إذ يجب على هذه المنظمات أن تحصل على الترخيص من قبل الإدارة الذاتية حتى يمكنها ممارسة أنشطتها وأحياناً يفرض عليها أن ترخص لكل نشاط أو مشروع أو محاضرة ونيل الموافقة مسبقاً».

مسؤولية المجتمع المدني عن الوضع الحالي

لم تتطور بعد مفاهيم العمل المدني لدى غالبية مراكز المجتمع المدني في المناطق الكردية، لأسباب عدة ومختلفة، منها ما يتعلق بالكوادر والناشطين فيها والذين يفتقدون قنوات التواصل أو مجموعات الضغط على مراكز القرار، ولعل أكثرهم يتناسى الأطر الممكنة للعمل بها كمراكز مدنية فاعلة وتحجيمها في العمل الإغاثي وبعض المواضيع التنموية الأخرى، وبالتالي أخذ العمل المدني قالباً ونمطية يمنعانه من التطور.

ويتحدث بيروز بريك عن العوامل الذاتية المتعلقة بمنظمات المجتمع المدني والتي أدت إلى غياب دورها من النواحي السياسية والاجتماعية، إذ يقول: «يأتي افتقار الناشطين والمنظمات لاستراتيجيات عمل وخطط مرحلية ومستدامة في طليعة هذه العوامل. بينما طرأ على العمل في الصعيد الإنساني والتنموي والثقافي بعض التطورات التي أسهمت منظمات المجتمع المدني في تحقيقه، غير أنّها متواضعة إذا ما قِيست بحجم الاحتياجات الهائل».

معظم المراكز العاملة بهذا الشأن تنشط في المجال الإغاثي وهي وليدة حديثاً، ولا تمتلك بعد الخبرة الكافية للتشبيك وتشكيل مجموعات الضغط

ويقول سالار صالح: «برزت سلبيات كثيرة رافقت تجربة هذه المنظمات القصيرة نسبياً منها: العضوية في أغلب هذه المنظمات تقوم على روابط أسرية أو عشائرية أو حزبية، الأمر الذي يتناقض مع أحد المبادئ الأساسية في نشوء المنظمات المدنية، إضافة إلى عدم وجود التخصص في عملها، فنجد أن المنظمة ذاتها تقوم بمهام الإغاثة والتنمية والصحة والمرأة والسلم الأهلي، كما أن الشريحة المستهدفة في أنشطتها ومشاريعها يتم اختيارها في الغالب بشكل انتقائي ونفعي»، مضيفاً أن هذه المنظمات تشكو «من نقص الموارد المالية وضعف التمويل، وأيضاً نقص الكوادر البشرية المؤهلة، ولعل من أهم أسبابها المباشرة تتمثل في هجرة الشباب».

ويعتقد صالح أنه «لا يزال مبكراً الحديث عن دور المجتمع المدني في إحداث تغيير في المجتمع أو الضغط على السلطات المحلية في سبيل تغيير بعض من سياساتها، فمعظم المراكز العاملة بهذا الشأن تنشط في المجال الإغاثي وهي وليدة حديثاً، ولا تمتلك بعد الخبرة الكافية للتشبيك وتشكيل مجموعات الضغط للتأثير في مراكز القرار وتعديل السياسات لتكون أكثر إيجابية وملبية لطموحات المجتمع المحلي».

الحلول المقترحة لفتح قنوات تواصل بين الحكومة والمجتمع المدني

تحدث الكاتب شيار عيسى لروك أونلاين عن الحلول التي من الممكن لها ردم الفجوة بين المجتمع المدني والإدارة الذاتية في تعميق مفاهيم المشاركة المجتمعية إلى جانب الحكومات، قائلاً: «باعتقادي الحل صعب جداً في ظل الظروف الراهنة والتي تفرضها الإدارة الذاتية على كلّ من الحياة السياسية والاجتماعية، وما يمكن القيام به الآن هو الاستفادة من الهامش الديمقراطي والعمل ضمن هذه الأطر ومن ثم الضغط باتجاه توسيع هذا الهامش، والعمل على إقناع الإدارة الذاتية وليس الضغط فحسب، ولا سيما الأحزاب السياسية، بأن المنظمات المدنية ليست جهة سياسية، وليست منافساً للإدارة الذاتية و لا لأي جهة سياسية أخرى».

دور المجتمع المدني هو مكمل لدور الحكومات والأحزاب السياسية في إطار تلبية احتياجات المواطنين وليس لها أي نوايا للانخراط في العمل السياسي للبتة

ويكمل عيسى حديثه عن أهمية عدم تغاضي الإدارة الذاتية عن الدور المدني في رسم واتخاذ القرارات وذلك بما يوفر حياة سياسية واجتماعية في المناطق الكردية تسودها الديمقراطية واحترام الحريات الفردية والاجتماعية منها: «على الإدارة الذاتية أن تعلم أن (دور) المجتمع المدني هو مكمل لدور الحكومات والأحزاب السياسية في إطار تلبية احتياجات المواطنين وليس لها أي نوايا للانخراط في العمل السياسي البتة. فإذا لم تقم الإدارة الذاتية بفتح المجال وإيجاد قنوات اتصال بينها وبين مراكز المجتمع المدني لضمان المشاركة المجتمعية على أسس ديمقراطية، فإن هذا كفيل بخلق حالة كارثية في الحياة الاجتماعية والعودة بها إلى ما قبل الأزمة السورية والدخول في دوامة أخرى، وبالتالي عدم طرح أي شيء جديد وبقاء المجتمع في حالة من الركود بمختلف الأصعدة».

ويتحدث الكاتب سالار صالح عن النظام الديمقراطي بوصفه «الضامن الوحيد لنمو مجتمع مدني أكثر فعالية، تستطيع من خلاله الشرائح المجتمعية غير المنتمية للأحزاب السياسية من إيصال صوتها إلى مراكز صناعة القرار وتعديل السياسات العامة لتكون أكثر توافقاً مع مصالح المجتمع».

إن حالة المجتمع المدني في أي بلد، وفي سيادة أي حكومة، تعكس حالة المجتمع السياسية والاجتماعية في المواضيع المتعلقة بالحريات والحقوق وأسس الديمقراطية، وبالتالي فإن أي تهميش لدور المجتمع المدني هو تهميش لتلك المفاهيم، وإلى جانب الواجب الملقى على عاتق الإدارة لتأسيس علاقة تعاون مع المجتمع المدني لتحسين مخرجات العملية السياسية من قوانين وتنمية وغيرها من المجالات، ربما يتوجب على النشطاء في المجتمع المدني أيضاً العمل على إيجاد سبل للتواصل مع الإدارة الذاتية توضيحاً لمفاهيم العمل المدني وأطر نشاطاتها وما تهدف إليه في المدى البعيد، سواء من خلال الإعلام أو تشكيل مجموعات لفتح قنوات تواصل مع الإدارة الذاتية.

بدون تعليق

اترك رد