الرئيسية رأي حصانة كردية من التطرف الديني؟

حصانة كردية من التطرف الديني؟

1046
مشاركة

غولاي ظاظا

شاعت خلال السنوات الأخيرة واحدة من المقولات التي تزعم تفسير حالات التطرف الناشئة في المجتمع، خصوصاً سوريا والعراق، أن القمع الدموي الذي تتعرض له المجتمعات تدفع بقطاعات واسعة منها إلى تبني أيديولوجيات متطرفة. مثل هذه المقولة تستهل تفسير ظواهر إرهابية، مثل تنظيم داعش وغيره من التنظيمات التي تعتمد على الطروحات الدينية في مواجهة عمليات القمع الدامية من السلطة الحاكمة. لكن هذا التفسير يسقط تماماً إذا طبقناه على الحالة الكردية. فالمجتمعات الكردية عاشت فترات دموية يمكن تتبع بعض تفاصيلها في كتاب روبرت أولسون (تاريخ الكفاح القومي الكردي 1880 – 1925).

في نسخة الترجمة العربية من الكتاب للدكتور أحمد الخليل هناك صورة تجمع مصطفى كمال أتاتورك برجل دين كردي. في البحث عن صور تلك الفترة نجد مشهد رجل الدين الكردي يتكرر سواء في معسكر المؤيدين لأتاتورك أو المعارضين له. حين أعلن أتاتورك معارضته للسلطان العثماني المقيم في إسطنبول اتخذ من منطقة أرضروم نقطة نشاطه، وجمع من حوله رجال الدين الكرد إضافة إلى ملاكي الأراضي وبعض السياسيين وعقد مؤتمر أرضروم عام 1919. وهنا أمكن التعرف على شخصية رجل الدين مع أتاتورك في الصورة، ويدعى دياب آغا، أحد كبار شيوخ الكرد الظاظا في ديرسم.

والواضح أن التيار الديني الكردي كان في غالبيته موالياً لأتاتورك في مؤتمر أرضروم، وحدثت خلافات لاحقاً كان بعض دوافعها ظهور نزعة علمانية لدى القائد التركي الجديد الذي خرج منتصراً من حرب الاستقلال بفضل تأسيسه قاعدة نشاط آمنة بين رجال الدين الكرد.

بعد مرور ما يقارب 100 عام على مرحلة هيمنة الدين على المجتمع الكردي، من النادر اليوم أن يحظى أي حزب ذو توجه ديني بأصوات انتخابية أو حاضنة شعبية. في نفس الوقت، بعد مرور ما يقارب 7 سنوات على الحرب في سوريا من النادر إيجاد فصيل معارض لا يعتمد على الدين في منهجه ورؤيته، ليس فقط للصراع، بل في تنظيم المجتمع نفسه. عبارة «الديمقراطية شرك» يمكن أن نجدها في مناطق المعارضة كما في مناطق سيطرة داعش.

إذا عدنا إلى المقولة التفسيرية أن «القمع يولد الإرهاب»، نجد أنها ليست مجرد مقولة يتم تداولها محلياً، بل حتى التفسيرات الغربية للصراع تحمل جانباً من هذا المنطلق في التفسير.

إذا سلّمنا بذلك أن الظلم يولد الإرهاب، يمكن طرح سؤال اعتراضي بغرض محاولة رؤية الأمور من زاوية أخرى: إذا كان التحاق شريحة كبيرة من العناصر بتنظيم داعش ناتجاً عن ظلم آخر يمارسه النظام السوري أو العراقي، فإن المجتمعات الكردية التي كانت حتى قبل 100 عام تحت سلطة شيوخ الدين عاشت طيلة الفترة اللاحقة حتى اليوم تحت وصاية سلطات أمنية عسكرية ارتكبت ويلات، وفي كثير منها موثقة في الأرشيف الرسمي. مع ذلك، لم يدفع هذا الظلم والقمع الدموي القوى السياسية للتطرف الديني. على العكس من ذلك ترسخت حالة علمانية في الحياة السياسية الكردية، وباتت عصية على الاختراق من قبل الأحزاب الدينية التي ترفع مقولات «الخلافة» و«حكم الشريعة». البعض قد يفسرها ردة فعل على الأنظمة الحاكمة، وهو تصور يفتقر إلى الدليل، فالأنظمة السياسية التي يواجهها الكرد هي علمانية وبعضها متطرفة للغاية. الاستثناء الوحيد كان النظام الإيراني بعد عام 1979.

في المقابل، نجد في سوريا أنه مع تصاعد عمليات القمع من قبل النظام في بدايات الثورة بدأت ترتفع الشعارات الدينية. وأصبح العلمانيون أنفسهم يروجون لمقولة أن طول أمد الحرب سيؤدي إلى تفشي التطرف بين التنظيمات المقاتلة، وهي حالة نادرة، فليست سوريا هي الدولة الوحيدة التي تشهد حرباً داخلية طاحنة في تاريخها. ومن غير المجدي إعادة ظواهر التطرف إلى حجم المأساة وإلا لكان التطرف يحكم العالم الآن، ولما كان داعش ظاهرة جديدة.

السؤال هنا: أين يكمن الفرق بين البنى السياسية الكردية والعربية (السورية) مع أن كلاهما واجه درجة متقاربة من القمع، مع فارق أن الكرد يعيشون منذ عقود طويلة حروباً وثورات متتالية وحالة التهميش السياسي، فيما المجتمع السوري لم يختبر هذه الدرجة من الاضطرابات سوى منذ سنوات قليلة. قد لا تكون هناك إجابة محددة حالياً عن هذا السؤال، لكن المؤكد أن مقولة الظلم يولد الإرهاب بشكله الديني يفتقر إلى المصداقية. وبدلاً من ذلك يمكن البحث أكثر في سر حصانة القوى السياسية الكردية من الطروحات الدينية على مدار مئة عام الماضية، وهم اليوم يشكلون منطقة آمنة من التطرف في كردستان سوريا والعراق وإيران وتركيا.

في بعض المراسلات الواردة في «تاريخ الكفاح القومي الكردي» تظهر علامات كيف تخلت بريطانيا عن دعم الكرد وأدارت ظهرها لثوراتهم وكفاحهم. لم يهدد الكرد حينها ولا بعدها دول الغرب والعالم: إذا تخليتم عنا فمبارك عليكم الإرهاب!

 

1 تعليق

Leave a Reply