في روجآفا: الولاء السياسي بوابة الفقراء لسد رمقهم

في روجآفا: الولاء السياسي بوابة الفقراء لسد رمقهم

611
0
شاركها
عائلة فقيرة من ديريك - روك أونلاين

روك أونلاين – قامشلو هو الفقر بعينه تقاسيه الكثير من العوائل في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في الشمال والشرق السوري، تلك المنطقة الغنية بالنفط والموارد الزراعية والثروة الحيوانية فضلاً عن المعابر الحدودية التي نشطت فيها خلال السنوات الأخيرة حركة تجارية غير مسبوقة في تاريخ تلك المنطقة وبشكل خاص معبر (سيمالكا- بيشخابور) على نهر دجلة بين روجآفا وإقليم كردستان العراق.

وعلى الرغم من أنه لا توجد إحصاءات رسمية لنسبة الفقر في تلك المناطق إلا أنه من المرجح بحسب خبراء اقتصاديين محليين فإن نسبته تزايدت لأكثر من 50% في المدن بشكل واضح خلال السنوات الخمس الماضية، ناهيك عن الفقر المدقع الذي يجتاح نسبة كبيرة من الريف وبشكل خاص الأرياف التي تقع شرقي مدينة الحسكة ومناطق «جنوب الرد» شبه الصحراوية.

منذ إعلان الإدارة الذاتية في نهاية العام 2013 لم تصدر عن مؤسساتها أية خطط تذكر لمكافحة الفقر. فضلاً عن تشكل طبقة من الأغنياء والتجار بصورة مفاجئة، ما أدى إلى اتساع الهوة بين طبقات المجتمع الذي «تكاد تنعدم فيه الطبقة الوسطى، فهو عبارة عن رأس وأرجل يفتقد إلى الظهر والعمود الفقري»، يقول مختص اقتصادي رفض ذكر اسمه.

«الولاء السياسي» وسيلة للحصول على المساعدات

يقول عباس محمود في حديث لروك أونلاين: «إما أن تكون مؤيداً للمجلس الكردي أو أن تعمل مع الآبوجية وتخرج في مسيراتهم حتى تحظى بصندوق للمعونات الغذائية».

في نهاية العام 2015 استلم مكتب شؤون الإغاثة والمساعدات الإنسانية التابع للمجلس الوطني الكردي في سوريا (ENKS) أول دفعة مساعدات مقدمة من مؤسسة البارزاني الخيرية.

وأتت تلك المساعدات حينها بناءً على وعد قطعه رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني بإدخالها إلى روجآفا إثر اجتماعه مع رئاسة المجلس الكردي قبل أشهر من إرسالها.

وتضمنت المساعدات مواد غذائية وألبسة ومنظفات ومعدات لذوي الاحتياجات الخاصة, بحسب ما صرحت به حياة قجو عضو مكتب شؤون الإغاثة والمساعدات الإنسانية لوسائل إعلام محلية حينها, مؤكدة أنهم استلموا حمولة 11 شاحنة.

وعن آلية التوزيع أضافت قجو حينها أن أعضاء مكتبهم سيجتمعون في مدينة قامشلو للعمل على البدء بتوزيع تلك المساعدات عبر التنسيق مع المجالس المحلية في المدن والبلدات الكردية.

بيد أن عملية التوزيع أتت لتفضح تعامل أحزاب المجلس مع الوضع على أساس الامتياز والولاء السياسي، فنشبت خلافات بين تلك الأحزاب وقام كل حزب بأخذ حصته من المعونات ووزعها على أنصاره.

وبحسب مصدر مطلع من داخل المجلس الكردي تحدث لروك أونلاين فإنه: «لا زالت كميات من تلك المعونات مكدسة في بعض مكاتب محليات المجلس الموزعة في المدن والبلدات الكردية نتيجة الخلاف بين الأحزاب على كيفية توزيعها حيث أخذ كل حزب حصته من المساعدات ووزعها على أنصاره وبقي قسم منها مكدسة نتيجة تلك الخلافات وتراشق التهم فيما بينهم».

وفي المقابل يتجلى مشهد امتيازات الولاء السياسي لدى أحزاب الإدارة الذاتية ومؤسساتها بصورة أكثر انفضاحاً كونها الطرف الوحيد الذي يتحكم بمقدرات المنطقة ومواردها.

ويشرح مواطن من مدينة عامودا لروك أونلاين قائلاً: «الكومين يتدخل بكل صغيرة وكبيرة والإدارة عملت على منح الكومين كل الصلاحيات في تقرير مصير القرية أو الحي وفرز الناس على أساس الولاء السياسي للمجلس أو للآبوجية والإدارة».

وأضاف بعد أن قبل التحدث إلينا بحذر: «في الحي الذي أعيش فيه هنالك فقراء بحاجة ماسة للمعونات الإغاثية لكن الكومين يقصيهم في كل مرة تأتي المساعدات من إحدى المنظمات الإنسانية التي توزع المساعدات غالباً عن طريق الكومين فقط لأن ولاءهم للمجلس الكردي».

فقراء لا ولاء سياسي لهم ولا أولياء

كانت فاطمة تقرأ في مصحف قديم متآكل في ساحة منزلها قبل أن نطرق عليها الباب في فترة الظهيرة في أحد أحياء مدينة ديرك/ المالكية أقصى الشمال الشرقي في سوريا.

قادنا دليلنا وهو شاب ثلاثيني من سكان المدينة يقوم في بعض الأحيان بمنح بعض النقود لبعض فقراء المدينة مما جاد بها بعض أغنيائها، إلى منزل السيدة فاطمة عيسى والتي تعيش لأكثر من ستين عاماً في ذات المنزل مع عائلتها قبل أن يبقيها قدرها وحيدة دون معيل يقوم بواجب رعايتها.

«قمت بفتح دكانة أمام المنزل أبيع فيها الموالح. كنت أحاول من خلالها مساعدة عائلتي لا سيما أن والدي تم بتر ساقه لمرض أصابه كان ذلك قبل خمسة عشر عاماً»، تقول فاطمة.

وتحاول أن تستجمع ما في ذاكرتها من معاناة خلال مسيرتها مع العوز والقلة لتسرد لروك أونلاين بعضاً من تفاصيل حياتها: «عملت على رعاية والدي المقعد حتى وافته المنية قبل عشرة أعوام ثم قمت برعاية والدتي التي بلغ بها العمر مئة وست سنوات إلى أن جاءها الأجل قبل أربعة أشهر».

تعيش المرأة الستينية والتي لم يحالفها الحظ في الزواج إلى الآن وحيدة في منزل متهالك مكون من غرفتين مبنيتين من اللبن، وفي الطرف المقابل شرقاً هنالك مطبخ صغير مرفق بحمام صغير أيضاً مبنيان من الإسمنت لكن ليسا بأفضل حال من الغرفتين، فيما يتألف بهو المنزل من خمسة أمتار عرضاً وثمان أمتار طولاً تقريباً.

وتجهد فاطمة التي تعاني من آلام في مفاصلها لتعديل جلوسها على سرير صنع من أطواق الحديد وضعته في بهو المنزل استقبالاً لفصل الصيف وتقول: «لم أمد يدي في حياتي لأحد طالبة المساعدة، أهل الحي والمدينة يعرفون وضعي المعيشي يقدمون لي المساعدة والعون بين الحين والآخر. أنا أؤمن بالله وأعرف أنه لن ينساني».

وتضيف وهي تكفكف دموعها: «لم يقدم لنا أحد من الكومينات والمنظمات منذ أكثر من عامين أية مساعدة. ليس لنا إلا الله».

وتجاور فاطمة أرملة أخيها عائشة حسين والتي تعيش مع أبنها المعاق ذي الثلاثة عشر ربيعاً. هي حالة أخرى تجسد الحاجة والفقر ذاته، وتعاني عائشة من مرض الديسك في ظهرها وهي بحاجة إلى عملية مستعجلة كما تصف وضعها.

وتقول في حديث لروك أونلاين: «في كل مرة يأتي الكومين إلينا ويسجل أسمائنا لكنا لا نرى شيئاً من المساعدات يبدو أنهم يفضلون من هم في حزبهم علينا، أنا وأخت زوجي المتوفى فاطمة نلاحظ ذلك في مرات كثيرة».

وتضيف: «يتجول أعضاء الكومين في كل شهر في الحي ويطلبون منا المساعدة، نقول لهم نحن بحاجة إلى المساعدة فكيف سنقدم المساعدة لغيرنا لكنهم لا يتحركون من أمام الباب حتى يأخذوا بعضاً من المال بحجة حمايتنا».

ولا ترى عائشة حرجاً في قولها إنها تميل إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني: «نحن من مؤيدي البارزاني ولهذا السبب يحرمنا الكومين من المساعدات. لمرتين طرق علينا الباب أشخاص قاموا بإعطائنا بعض المال في ظروف مختومة وقالوا نحن من حزب البارزاني (البارتي)».

وتحاول المرأة التي توفي عنها زوجها منذ اثني عشر عاماً أن تفضفض عن نفسها قليلاً بالحديث: «لدي ولدان أكبرهما يقيم في كردستان العراق للعمل لكنه أصيب منذ أشهر فقد وقعت عليه بعض الأغراض أثناء العمل وهو مقعد منذ ذلك الحين، والآخر هذا الصغير الذي ترونه فهو مريض وبحاجة إلى رعاية».

المنظمات الدولية تسير بذات النمط

ثمة ما يقارب عشرة منظمات دولية غير حكومية في المنطقة منها: (آي آر سي- وآي آر دي- مير سي كوربس- أطباء بلا حدود- مفوضية اللاجيئين وغيرها). وجميع هذه المنظمات مقرها في مدينة ديريك بسبب قربها من حدود كردستان العراق وسهولة دخول المساعدات من معبر سيمالكا. كل هذه المنظمات تعمل تحت إشراف و بتنسيق مع مؤسسات الإدارة الذاتية في مقاطعة الجزيرة، فضلاً عن وجود أكثر من عشر جمعيات خيرية محلية.

ويعتمد عمل هذه الجمعيات على تقديم البيانات والإحصائيات إلى هذه المنظمات للحصول على المساعدات لتوزيعها على الأهالي والنازحين، وهناك بعض الجمعيات تقدم أسماء وهمية، وتعمل حسب المحسوبيات، وتوزع على المعارف في معظم الأحيان، وفقاً لموظف في إحدى الجمعيات المحلية.

وبحسب بعض أهالي قرية معشوق في منطقة آليان فقد زارت القرية عدة لجان من المنظمات وسجلت أسماء العوائل وملأت بياناتهم، إلا أنه وحتى الآن لم يقدموا سوى بعض المواد الغذائية لبعض العوائل.

وفي حال منح بعض المساعدات من قبل تلك المنظمات فإن عملية استلامها وتوزيعها يتم عن طريق الكومين في معظم الأحيان فهي الجهة الرسمية الوحيدة في القرية وأعضاء الكومين يوزعونها بناء على الولاء السياسي فتعطي من هم ميالون لها وتحرم من هم على النقيض، يختم أحد أهالي القرية حديثه.

بدون تعليق

اترك رد