مشاركة

عباس علي موسى

«أنا منذ يومين مشتت بين مشفيين؛ حيث أنّ زوجتي ولدت في مشفى، لكنّ مولودي احتاج إلى الحاضنة والتي لم تكن موجودة هنا فاضطرت إلى وضعه في مشفى آخر».  هكذا يقول عبد الصمد (49 عاماً) من مدينة قامشلو وهو مشتت الذهن والبال، ويده تربت على طفلته ذات السنوات التسع.

حال عبد الصمد يعكس حال المشافي في المدينة، حيث أنّ مدينة قامشلو تضمّ 10 مشافي خاصة باختصاصات مختلفة، لكن ومع أنّ هذه المشافي تعلن استقبالها لمختلف الاختصاصات إلا أنّ واقع الأمر يعكس أمراً مختلفاً، فالمشافي الخاصة غير مجهزة لاستقبال كافة الحالات حيث يقول الدكتور إبراهيم ملا مدير مشفى النور «لدينا في المشفى 60 سريراً، وهذا يعني حسب معايير وزارة الصحة 12 اختصاصاً، إلا أنّ الكثير من المشافي تضع الأسرة كيفما اتفق ودون مراعاة للشروط».

قامشلو كبديل لدمشق

مدينة قامشلو تعدّ الشريان الرئيس للمدن الأخرى في محافظة حسكة ومنها مدينة حسكة (مركز المحافظة)، حيث يؤمّها المرضى من كل صوب، وخاصة أنّ المحافظة تضم أعداداً كبيرة من اللاجئين وكذلك أعداداً كبيرة من النازحين من المحافظات المختلفة، ويعتبرها الكثيرون بديلاً عن السفر إلى دمشق بقصد المعالجة. يقول عامر (39 عاماً من ريف مدينة قامشلو) «كنت أقصد دمشق للمعالجة من السرطان وذلك لعدم توفّر علاج السرطان هنا في قامشلو، إلا أن ذلك كان صعباً ومكلفاً، الآن أكمل جرعاتي هنا حتى وإن كان تأمينها صعباً وغالياً لكنه أهون من السفر إلى دمشق»،

الكثيرين ممن هم مطلوبون لخدمة الجيش لا يستطيعون السفر إلى دمشق إما لأنهم مطلوبون لخدمة الجيش أو على خلفيات سياسية وأمنية، سواء أكانوا مرضى أو مرافقين

السفر إلى دمشق بقصد العلاج غير متاح للكثيرين لأسباب عدة منها التكاليف الباهظة للسفر، إذ يصل سعر تذكرة الطيران إلى الـ 20 ألف ليرة سورية في شركة الطيران الحكومية، وأكثر من 20 ألف ليرة سورية في الشركات الخاصة، هذا عدا عن السمسرة والأسعار المضاعفة حين يضطر المسافر إلى الحجز بقصد الوصول بأسرع وقت، إضافة إلى تكاليف الإقامة في دمشق لأجل المراجعات أو انتظار الدور، إلى جانب المخاطر في دمشق حيث الاشتباكات كل فترة على الطريق الواصلة بين المطار ومركز العاصمة، كما أنّ الكثيرين ممن هم مطلوبون لخدمة الجيش لا يستطيعون السفر إلى دمشق إما لأنهم مطلوبون لخدمة الجيش أو على خلفيات سياسية وأمنية، سواء أكانوا مرضى أو مرافقين.

كلّ هذا جعل من قامشلو بديلاً للكثيرين عن السفر إلى دمشق، حيث يمكن ملاحظة أنّ المشافي والعيادات الخاصة والمرافق الصحية تكون ممتلئة دوماً، وتم ملاحظة الأمر خلال زيارتنا لها بقصد إجراء هذا التحقيق.

من جهته يؤكد الدكتور مروان أحمد قادر «هناك ضغط على مشافي المدينة، فالمرضى يتوجّهون من المدن الأخرى في محافظة حسكة إلى قامشلو، وأحياناً مع إمكانية إجراء بعض العمليات في تلك المدن أيضاً، وذلك متعلّق بالحالة النفسية للمريض الذي يعتقد أنّ قامشلو هي أفضل من غيرها من المدن في المحافظة، كما أنّ ازدياد النازحين واللاجئين وصعوبة الوصول إلى دمشق أدى إلى هذا الضغط على قامشلو».

تكاليف باهظة على المشافي الخاصة والمراجعين

وصف الدكتور عزيز فرمان، مدير مشفى فرمان الخاص، الخدمات الطبية المقدّمة في المدينة بأنّها جيدة، لكن ثمة صعوبات هي في الغالب يمكن تعميمها على المشافي الأخرى أيضاً، منوّها بأن هناك أعطالاً في الأجهزة تصعب صيانتها، فجهاز الكوتري، وهو خاص بوقف عمليات النزف، تعطّل لعشرة أيام ما أدى لتوقّف العمليات طيلة هذه المدة، «والسبب كان قطعة صغيرة كلفتنا أكثر من 125 ألف ليرة سورية، حتى تم جلبها من دمشق كونها غير متوفرة في المدينة».

هناك بعض الأدوية التي يصعب توفيرها من المستودعات وهي متوفرة في السوق السوداء، وهي بطبيعة الحال غالية الثمن يتحمل عبئها المريض

كما أنّ في الإمكان الحصول على بعض الأجهزة الطبية الحديثة والتي يتم استيرادها من الخارج وخاصة عن طريق إقليم كردستان إلا أنّها «تُباع بالعملة الصعبة، وهي باهظة الثمن وخاصة مع عمليات الشحن حتى تصل إلينا»، كما أشار الدكتور إبراهيم ملا، مدير مشفى النور الخاص.

وركّز إياد عبد الكريم، وهو إداري في مشفى فرمان، على فقدان بعض الأدوية: «هناك بعض الأدوية التي يصعب توفيرها من المستودعات وهي متوفرة في السوق السوداء، وهي بطبيعة الحال غالية الثمن يتحمل عبئها المريض».

كما أنّ الأسعار تبدو باهظة بالنسبة لبعض المراجعين والمرضى، حيث يعتبر قطاع كبير من المجتمع أنّ الأطباء لا يراعون الأوضاع المعيشية الصعبة للمجتمع، وقد قال أحد الخارجين من أحد المشافي برفقة مريض أنّه دفع 70 ألف ليرة سورية ثمن الدواء فقط، عدا عن التكاليف الأخرى للمشفى والعمل الجراحي.

إنّ انخفاض قيمة الليرة السورية أدى إلى تزعزع استقرار السوق في جميع القطاعات، ومنها القطاع الصحي، إلا أن العاملين فيه يؤكدون أنّه، ومقارنة مع القطاعات الأخرى، فهو لم يتضاعف، والزيادات الحاصلة هي زيادات معقولة وخاصة أنّ الأدوية لا تزال رخيصة، وأسعار العمليات الجراحية لم تشهد ارتفاعات كبيرة، وقد التقت روك أونلاين الدكتور طارق حمندي الرئيس المشترك لهيئة الصحة في الإدارة الذاتية الديمقراطية، وسألته حول موضوع الأسعار وضبطها ومراقبة عمل المشافي، فقال: «إننا في هيئة الصحة قد أنشأنا اتحاداً للأطباء وقد ناقشنا في البداية موضوع المعاينات التي هي الأكثر إلحاحاً، وقد تم ضبطها على مبلغ ثابت وهو ألفا ليرة سورية، إلا أننا لم نتدخل في تحديد تعرفة تكاليف المشافي الخاصة ولائحة الأسعار».

النظافة العامة في المشافي

من جانب آخر يرى علي (30 عاما): «إنّ المشفى الذي يتعالج فيه والده غير نظيف، والخدمات المقدّمة فيه سيئة»، متسائلاً: «ماذا يعني أنّ تتكلّف بمصاريف كثيرة ولا تجد خدمة جيّدة؟»

تتخلّص المشافي على اختلافها (خاصة وعامة) برمي مخلفاتها في حاويات النفايات العامة في الشوارع

وتقوم المشافي برمي النفايات الطبية مع غيرها من القمامة لتقوم البلدية برميها فيما بعد دون أن يكون هناك فرز للنفايات الطبية، وقد ذكرت منظمة روج لحماية البيئة في تقريرها السنوي لعام 2015: «في دراسة ومتابعة ميدانية لكيفية تخلّصها من النفايات الناتجة عن عملها، تبيّن أنّ المستوصفات الحكومية تتخلّص من نفاياتها من محاقن وسرنكات وعبوات ناتجة عن حملات التلقيح التي تتم داخلها، عن طريق تجميعها في علب كرتونية خاصة لتقوم بحرقها بوسائل بدائية في باحة المستوصفات في برميل معدني، في حين تتخلّص المشافي على اختلافها (خاصة وعامة) برمي مخلفاتها في حاويات النفايات العامة في الشوارع».

وقال الدكتور حمندي «إنّ هيئة الصحة قد شكلت هيئة لمراقبة النظافة في المشافي الخاصة»، إلا أن موضوع متابعة القطاع الصحي يواجه الكثير من المعوّقات، وخاصة أنّ متابعتها مرهونة <شكلياً> بمديرية الصحة التي تتبع وزارة الصحة، كما يؤكّد الدكتور مروان أحمد قادر.

الخشية من الاعتقال والخطف والتجنيد الإلزامي، أهم أسباب نقص الكادر الطبي

كان لاندلاع الأحداث في سوريا أثر كبير على القطاع الصحيّ، والذي انعكست سلباً في عموم البلاد، وفي محافظة حسكة أدى التهديد وحالات الخطف التي طالت عدداً من الأطباء وعوائلهم في 2012، وخاصة في مدينة حسكة، إلى تخوّف الأطباء وحتى الفنيين وهجرتهم إلى خارج البلاد بحثاً عن الأمان، ومن تبقى منهم كان لا يستطيع الخروج ليلاً لمتابعة الإسعافات الليلية والتي كانت تعني مغامرة يعقبها خوف الخطف أو حوادث أخرى.

هناك الخوف من الاعتقال أيضاً أو السوق إلى خدمة الجيش، ومع أنّ الأوضاع الآن هي أفضل مما عليه في السابق حيث بإمكان الأطباء التنقل في مدينة قامشلو في أي وقت دون صعوبات أو تخوفات في هذا الإطار، إلا أنّ الكثيرين لا يخرجون ليلاً حتى الآن كما يؤكّد الدكتور عزيز فرمان، مع أنّ مشفاه يقع ضمن نفوذ الإدارة الذاتية. إلا أنّ الدكتور إبراهيم ملا يقول إنّ وقوع مشفاه ضمن المربع الأمني يمنع الكثير من الأطباء الشباب ممن يخافون السَوق إلى خدمة الجيش من المجيء إلى المشفى خاصة في الليل لوجود حواجز للنظام بالقرب منه.

المشفى العام: فرع من فروع الأمن السوري

المشفى يبدو كفرع من الفروع الأمنية سيئة الصيت، حيث تجدهم في كل مكان يقومون بالسمسرة

يوجد في مدينة قامشلو مشفى عام واحد فقط يقدّم خدماته بالمجان أو بأسعار رمزية بالنسبة للعمليات الجراحية، ويوجد فيه أجهزة تنفيس (في حالات انقطاع التنفس) كما يوجد به جهاز الطبقي المحوري، ومعمل لتعبئة أسطوانات الأكسجين. يقول أحد العاملين في الأقسام الفنية بالمشفى رفض الكشف عن اسمه لـ روك أونلاين: «هناك بعض الأجهزة الحديثة في المشفى الوطني وهي من ماركات عالمية ذات جودة عالية، لكن عدم صيانتها والاهتمام بها أدى إلى ضعف أدائها، كما أنّ بعض الأجهزة التي لا تحتاج سوى إلى قطع تبديل أو صيانة بسيطة لا يقومون بها ولذلك تخرج عن الخدمة أو تكاد».

يقصد المشفى الوطني الكثير من المرضى والمراجعين وذلك لتوفر بعض الخدمات فيه حيث لا توجد في المشافي الخاصة، كالأمصال الخاصة باللدغات واللسعات وعضات الكلاب، وهي تبدو غير متوفرة، كما يقول الفنيّ في المشفى، لكن المشفى يشكو من قلة الأطباء المقيمين في الأقسام المتعددة، ويعزي الفنيّ في المشفى السبب إلى تخوّف الأطباء من خريجي الطب حديثاً من سوقهم إلى الخدمة الإلزامية، فالمشفى يبدو «كفرع من الفروع الأمنية سيئة الصيت، حيث تجدهم في كل مكان يقومون بالسمسرة».

وقد حصلت حالات وفاة في المشفى جراء انقطاع التيار الكهربائي عن المنفسة نتيجة عطل المولد الكهرباء الأساسي، وعدم وجود وقود للمولدة الاحتياطية وهو أمر يعود إلى الإهمال وعدم مراقبة ومتابعة العمل كما وصفها ذات المصدر، وذلك في 2016-01-20.

جدول المشافي الخاصة والعامة واختصاصاتها وعدد الأسرة في كل منها، وذلك بحسب جدولة مديرة الصحة التابعة لوزارة الصحة.

اسم المشفى الاختصاص عدد الأسرة
1 المشفى الوطني (عام) عام 200
2 مشفى الرحمة جراحة عامة – نسائية وتوليد – بولية – عظمية 20
3 مشفى الكندي جراحة عامة – عينية وجراحته 13
4 مشفى نافذ جراحة عامة – نسائية وتوليد – عظمية 10
5 مشفى كلمة عام 20
6 مشفى فرمان  جراحة عامة- نسائية وتوليد 25
7 مشفى النور جراحة عامة – نسائية وتوليد – أذنية 60
8 مشفى دار الشفاء جراحة عامة – بولية – عظمية 23
9 مشفى السلام عام 22
10 مشفى الرازي جراحة عامة – نسائية وتوليد 10
11 مشفى الأمل عام 25

بالإضافة إلى مشفى الشهيد خبات (خاص بالجرحى والمرضى العسكريين) أو جرحى التفجيرات الإرهابية، يتبع للإدارة الذاتية الديمقراطية.

 المرافق الصحية العامة (المستوصفات)

يوجد في مدينة قامشلو 5 مستوصفات تتبع لمديرية الصحة، ومستوصف تابع لهيئة الصحة في الإدارة الذاتية وآخر تابع للهلال الأحمر الكردي، وهذه المرافق تقدّم خدمات عدة أهمّها لقاحات الأطفال، كما أنّ هناك عيادات للجلدية والداخلية والأطفال والنسائية ومرضى السكريّ، ومع أنّ هذه المراكز تقدّم الخدمات إلا أنّها خدمات جزئية وذلك لنقص الكادر الطبي وخروج بعض الأجهزة عن الخدمة، وقد كشف أحد العاملين في مستوصف الحي الغربي طلب عدم ذكر اسمه «إنّ جرعات الأنسولين مثلاً، والتي تعطى مجاناً لمرضى السكري، لا تغطي المرضى المسجّلين، فمن أصل 1400 مريضاً مسجلاً بالسكري يتم تقديم 100 جرعة فقط في كل دفعة، ويجدها المرضى غالباً بعد ذلك في الصيدليات بأسعار باهظة، كما أنّ العيادة السنية خارجة عن العمل وذلك لعدم توفّر المخدّر في المراكز»، مُشيراً إلى أنّ المركز الشرقي يقدّم علاجاً لللاشمانيا.

أما بالنسبة للمستوصف التابع للهلال الأحمر الكردي، فيقول الدكتور صخر، وهو طبيب أطفال وأحد العاملين فيه: «إنّ المستوصف يقدّم الدواء مجاناً، كما أنّ هناك عيادة نسائية، وداخلية وأخرى للأطفال، بالإضافة أنّه يعالج اللاشمانيا، ويقدّم كذلك جرعات الأنسولين لمرضى السكري».

أسماء المستوصفات بحسب توزّعها في المدينة:

مستوصف حي هلالية مستوصف ميسلون
المستوصف الشرقي المستوصف الغربي
مستوصف منطقة الخليج مستوصف الهلال الأحمر الكردي في منطقة السياحي

الحياة رغم كلّ ذلك تمضي

يلتقط عبد الصمد أنفاسه على الدرج الواصل إلى الطابق الثاني حيث تقيم زوجته المريضة وهو عائد من المشفى الآخر حيث أنّ رضيعه في الحاضنة، ويقول باقتضاب (المهم أنّ مولودي وزوجتي بخير، فالحياة تمضي)، لقد تمّ انقاذ الرضيع بعد أن تم إيصاله إلى الحاضنة، إلا أنّ بهجته هذه فقط كانت تغطي على الإهمال الواضح للمشفى.

Leave a Reply