قوات سوريا الديمقراطية والطبعة الثانية من الملية العسكرية

قوات سوريا الديمقراطية والطبعة الثانية من الملية العسكرية

3033
1
شاركها

شورش درويش

تروي الحوليات والكتب التي تتناول سيرة إبراهيم باشا الملّي أمير قبائل الملّان (أو الملّية) الكثير، ومن فيض تلك المرويّات والسير التي تناولت شخصية الرجل وتاريخه أن قواته كانت تتشكل من قبائل وعشائر عربية وكردية وتركمانية وإيزيدية، أي أن تلك القوات كانت ائتلافاً فوق ديني وفوق قومي يكبر ويتسع بحسب مصالح العشيرة المتشكّلة، والتي باتت تتسع ثم تتقلّص وفق قوّة الحكومات المحليّة في تركيا وسوريا، ووفق تباين مصالح الدول العظمى.

سيرة الرجل وإجادته اللعب في منطقة محفوفة بالنزاعات القبلية والدينية تعكس قدرة مذهلة في فهم الواقع ومحاكاة النموذج العثماني ببراعة، فالفرسان الملّية لم تكن قوات ذات طابع قومي خاص كما أسلفنا بل اعتمدت نظاماً أو طرازاً في الحكم مصغّراً للحكم العثماني، يعتمد على مبدأ «القوّة في التنوّع»، أي أن المجد الذاتي أو الجماعي يبنى بتضافر القوات المختلفة داخل الجسم العسكري المركزيّ الموحد، لذا كانت معظم حروب ومعارك إبراهيم باشا وأبنائه تعمد إلى توسيع السيطرة وإزاحة الخصوم سواء أكانوا كرداً أم عرباً مسلمين أم إيزيديين، في مشهد يفسّر على أنه «احتكارٌ للعنف» وجعل العنف وممارسته مقتصراً عليه وقواته متعددة الملل والأديان.

وعلى نحو ما يورده أحمد وصفي زكريا في مؤلفه «عشائر الشام»، كانت تلك القوات تتشكل من قبائل شبيهة بالقوات <متعددة الجنسيات> التي استحدثتها السلطنة العثمانية في مناطق القوزاق؛ فلوفرة هذه العناصر واختلاف منابتها كان أبناء قبائل الملية يقولون في قبيلتهم أنها عشيرة الـ  «هزار ملّت» أي (الألف ملّة). ويعرّف وصفي زكريا قبيلة الملّي على النحو التالي: «معظم هذه العشيرة كردي وبعضها يزيدي (إيزيدي)، وقليل منها عربي الأصل، وربما بلغ عدد فرقها نحو 50، وأهم الفرق الكردية منها : الباشات (أبناء إبراهيم باشا وهم الرؤساء)، ومحليان وكومنقشان وتركمان وحيدران وهيزول وصوركان ومتينان وجوفان وشيخان ودودكان ومندان وناصريان وكوران وخضركان وسيدان … إلخ وأهم الفرق الإيزيدية: شرقيان وخالدا ودنادا ومروان وقوبان، وأهم الفرق العربية: العدوان والفراجة والجبور والبقارة الحديديين وبني خطيب والنعيم وشرابيين الكواويس وغيرهم»، ثم تأتي المعلومة الإيضاحية: «وهذه الأسماء تدل على أن بعض هذه الفرق العربية الملتحقة بالملي منفصلة عن أمهاتها الكبيرة».

لم تكن حروب الباشا وأبناؤه مقتصرةً على التوسعة، بل كانت بعض حملاته ثم أبنائه نزولاً عند رغبة حلفائه، ومعرفة أن عدم خوض الفرسان الملية تلك الحروب يعني انكسار معسكره وجلب عداواتٍ من القوى الكبرى، لذا نراه جهّز حملة للتوجه إلى الحجاز لإخماد تمردها وفق ما طُلب إليه من السلطان العثماني عبد الحميد، وأن أبنائها شدوا من إزار فرنسا لضرب عصيانات قامت بها بعض القبائل في المناطق المتاخمة لدير الزور والرقة، وبالتالي فإن الحروب خارج مناطق النفوذ كانت مجلبةً للمصلحة الجماعية للاتحاد الملّي وإحدى نتائج التحالفات والقوى العظمى.

هذا الإسهاب والاستطراد الطويل هو لأجل الانطلاق نظرياً من نقطتين اثنتين، الأولى: قدرة إبراهيم باشا على تشكيل قوّة متعددة العناصر والملل في منطقة تكاد التخوم الإثنية والدينية فيها تنعدم، وفي لحظة لم تكن القومية بشكلها الحالي صيغة فضلى للتعايش بين المجموعات العرقية والدينية، والثانية: توليه حروباً خارج إسار مناطق سيطرته بغية جني ثمار المشاركة في تلك الحروب.

قد لا يصحُّ الحديث عن أن التاريخ يعيد نفسه، على ما تحمله هذه العبارة من سهولة ولامبالاة إزاء التبدّلات التي طرأت على الفهم العام للقومية والمصالح الدولية وسواها من عوامل تجعل من مقولة «التاريخ يعيد نفسه» مدرسيّة ولا تجاري الواقع، لكن، يمكن بالمقابل قياس الحاضر بالماضي، من خلال الحديث عن ظاهرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تبدو وكأنها صيغة شبيهة أو طبعة ثانية لفكرة «المليّة العسكرية» التي أسس لها إبراهيم باشا وأنجاله.

تذخر قوات سوريا الديمقراطية بتعدد العناصر، إذ يغلب على تشكيلها التنوع القومي والديني، وهذا حدث مؤسس لظاهرة في معسكر القوى الكردية المسلّحة، و إن كانت جذور مسألة طبيعة التنوع داخل قوات قسد يمكن إرجاؤها إلى حزب العمال الكردستاني، ذو البناء الماركسي في تنظيمه وإيديولوجيته، حيث تفرّعت تجربة قسد العسكريّة من تجربة العمال الذي حظي ببعدٍ متجاوز على القومية والدين والطائفة خلال وبعد نشوئه، بيد أن هذا الأمر لا يكفي وحده لتفسير قابلية وحدات حماية الشعب التي توسّعت لتصبح قسد لاحقاً، وإن كانت تعتبر نفسها إحدى تشكيلات قسد لا مالكتها الحصريّة، والحال، أن قسد في مبناها الحالي هي أقرب إلى النموذج الملّي في التكوين، إذ باتت تطوي بين دفتيها عناصر من العشائر العربية ومن التركمان والآشوريين السريان والإيزيديين على نحو مقارب للتجربة المليّة العسكريّة، وهذا إن دلّ على شيء فهو يعكس مقداراً من فهم للواقع والطبيعة الديمغرافية للمنطقة الشمالية من سوريا، على نحو ما كان قد فهمه إبراهيم باشا سابقاً، وأن فكرة القوات أحادية القومية غير مجدية في منطقة تعجّ بالتنوّع، وما تفرزه فكرة التنوّع من مخاوف من الانفجار أو الانزياح نحو حروب إثنوقومية،

وما يشي أيضاً بالمقاربة بين تجربتي قسد وتجربة الملّية العسكرية هو أن الحالتين تسيران وفق مصالح مشتركة مع القوى الكبرى، فذات يوم قامت فرنسا بتزويد إبراهيم باشا حين أقام وقبيلته نواحي دير الزور بالأسلحة الرشاشة ومدفعين كي يستطيع مشاغلة الأتراك الذين باتوا يتربصون به، وتلكم أسلحةٌ ثقيلة بمقياس ذاك الزمان، فتبدّلت مصالح الباشا وأبنائه وتقلبت من الأتراك إلى الفرنسيين، ولعل خروج أبنائه عام 1921 مع الحملة الفرنسية التي كان يقودها دبيوفر على قرى الخشام والبصيرة وضربها عشائر العنابزة والبكير والعقيدات يفيد معنى التحالف والتوجه نحو مناطق بعيدة نسبياً وهي أبعد من حدود إمارته وأولاده المتخيّلة تماشياً مع ظروف شراكته مع القوى الكبرى ( تركيا، ثم لاحقاً فرنسا)، ألا يذكّر الأمر بحال قسد التي توجّهت إلى الرقّة وصوب الديار العربية في سوريا، وكذا ألم تتلق الأخيرة الدعم العسكري من الأمريكان لأجل غاية محاربة تنظيم داعش؟ وبالتأكيد ليس المعنى تشبيه داعش بالعشائر العربية بقدر ما هي محاولة لفهم ظروف هاتين المرحلتين على ما تحويانه من تباين.

لم تنجب المليّة العسكرية الأولى مليّة سياسية مكافئة للعسكرية، ولعل كان هذا الأمر أحد الأسباب الكثيرة لتعطّل مشروع الملية العسكرية وفواته وموته لاحقاً، في حين هناك تجربة سياسية تخوضها الملية العسكرية الثانية( قسد) ولعلّ هذا الفارق يصب في صالح التجربة الثانية شريطة أن يتحوّل هذا الأنموذج إلى أنموذجٍ قابل للعيش يتفهّم خصوصية التنوّع السكاني، ويقوم على التخفيف من الحمولة الإيديولوجية في خطب وممارسات حزب الاتحاد الديمقراطي الراعي الرسمي لمشروع القوة العسكرية متعددة العناصر القومية والدينية في المنطقة، وعلى هذا يتوقف مصير قضايا، فشعوب وأديان، قيّض لها أن تعيش متجاورةً منذ مئات السنين.

1 تعليق

  1. أود إبداء بعض الملاحظات حول بعض الاخطاء في استخدام بعض المصطلحات التي قد تبني صورة تاريخية مغايرة عن مفاهيم ذلك الزمن الذي نشأت فيه القوات الحميدية، فضلاً عن خلافي مع مضمون المقاربة التي اجريتها مشكوراً استاذ شورش.

    1- لا يوجد شيء أسمه (الفرسان مليّة)، هناك قوات (الخيّالة الحميدية) وهي قوات فرسان خفيفة، تشكلت في عصر السلطان عبد الحميد ونسبت له، وتشكلت من أفواج العشائر الرحل وبشكل اساسي العشائر الكردية، وترأسها المشير زكي ( صهر السلطان عبد الحميد) وكان ابراهيم باشا أحد قادة الافواج الحميدية إلى جانب أفواج حميدية أخرى يقودها زعماء آخرون، كفوج الميران بقيادة مصطفى باشا، وفوج طيء بقيادة علي باشا، وفوج كراكيش بقيادة خليل باشا، وفوج قيس والبرازي وبوجاخ والكيكية …الخ.

    2- هذه القوات كان يتم تدريبها من قبل ضباط عثمانيين ، وكانت تزود بالسلاح والهندام والمخصصات المالية من قبل الجيش العثماني، وهي وحدات مساندة للجيش العثماني، يتم نقلها تارة للقوقاز وتارة لحماية قوافل الحج في موسمه وتارة لحدود الدولة العثمانية في مناطق الاضطرابات ، و بالتالي لا يمكن تصوير ذلك بأنه (تحالف) بقدر ما هو اداء خدمات للدولة مقابل بعض الامتيازات أو غض الطرف احياناً عن التجاوزات. ينطبق ذلك ايضاً مع تحالف ابناء ابراهيم باشا الملي هم وعشيرة العنزة مع الفرنسيين ودعمهم في دخول دير الزور، هذا مرتبط بمصالح ورؤية الموضوع من زاوية العائد من ذلك على العشيرة ، خاصة اذا فهمنا ان مصالح الملية انذاك كانت ضد الاتراك الذين جردوهم من كل شيء في ويران شهر، اعتقد ان تحالف الشعيطات الذين كانوا ضد النظام مع النظام بعد قتلهم من قبل داعش هو مثال على هذه المقاربة. اما قوات قسد هنا، فقيامها بتحالفات دولية هي بدون شك ذات اهمية كبيرة وخطوة متقدمة لا يمكن انكارها بالنسبة لها، لكن السؤال، هل الدول الكبرى تنظر إلى هذا التحالف استراتيجي مع ميليشيا غير نظامية ، ام انها تنظر للامر كتحالف تكتيكي فقط يتم الغاءها بتغير المصالح لاحقاً، هذا ستجيب عليه الايام.

    3- طبيعة حلف الملية (قبل تأسيس الفرسان الحميدية) هو تحالف مشترك بين عشائر كردية ويزيدية وتركمانية وبعض العشائر العربية المنفصلة عن عشيرتها الام ومنضوية تحت هذا الحلف العشائري الذي تحتمه ظروف جغرافية معينة في تلك المرحلة. وبالتالي من الخطأ وصف ان هذا التنوع كان نتيجة فهم ابراهيم الملي لتركيبة المنطقة بقدر ما هو التزام افراد قبيلة ذات تركيبة متنوعة بقوات الخيالة الحميدية مما فرض هذا التنوع، اما في حالة قسد، فالأمر مختلف، فلا يمكن مثلاً ان نقنع انفسنا بان هناك عربي او سرياني او يزيدي له مصلحة مثلاً بأن يقاتل ضمن قوات تعلق صور اوجلان وتروج له في كل زقاق وحي ومؤسسة ومكان، لكن ربما الاقرب للصواب هي الظروف الاقتصادية هي العامل الاساسي لدخول هذه العناصر مع قوات العمال الكردستاني ، فقوات قسد هنا يمكن القول بانها استغلت الظروف الاجتماعية والمادية لهؤلاء الناس لتطويعهم بين الترهيب والترغيب خاصة وانها تعاني نقصاً كبيراً في عناصرها المرتبطين معها ايديولوجياً.

    4- وردت معلومة عن تزويد الفرنسيين لابراهيم باشا باسلحة ثقيلة كالمدافع وغيرها، (ارجو مراجعة هذه المعلومة) ، فعلى دور ابراهيم باشا لم يكن هناك تواجد فرنسي بعد، والاسلحة التي كانت تشتريها العشائر كانت انكليزية ، وضمنها المدافع الانكليزية التي كانت بحوزة ابراهيم باشا.

اترك رد