الرئيسية رأي عن خطاب الكراهية في الإعلام الكردي

عن خطاب الكراهية في الإعلام الكردي

مشاركة

مقارنة مع الرتم البطيء لزمن الاستبداد (قبل العام 2011)، يبدو الواقع المعاش أكثر جموحاً من أي خيال؛ فالعقود صارت تختزل في شهور مع دخولنا زمن الثورات وفوضاها، وما لم نكن نتخيل حدوثه في قرن كامل، يكاد يحدث فقط في بضع سنوات.

وحيث لم يتوقع أحد أن يكون نهاية العام 2010 مع إضرام البوعزيزي النار بجسده بداية لقيامة المنطقة، لم يتوقع الكرد كذلك أن يطفوا حضورهم على السطح، وأن تبرز قضاياهم إلى الواجهة في سوريا والعراق؛ والآن ليس هناك أكثر من الوقائع التي تدل على تغيُرهم من حال إلى حال، لذا قد لا نجد هناك أصدق من وصف المعارض السوري، علي العبد الله، بأنها «قيامة الكرد مع قيامة المنطقة».

 لكن على الرغم من حجم التغيير الهائل في الظروف الموضوعية للمنطقة، وتالياً للظروف الذاتية لكردها، إلا أن ثابتين (واحد موضوعي يتعلق بالمنطقة، وآخر ذاتي يتعلق بالكرد) يكادان يبقيان عصيين على التحول، تبعاً لما كشفته الأحداث خلال السنوات الأخيرة: الأول هو ذلك العداء السافر الذي لاتزال تظهره أنظمة المنطقة جميعها تجاه تطلعات الكرد المحقة؛ سواء أكانت في إقامة كيان مستقل، كما في العراق، أو حتى في حالة طرح صيغة مطالب بسقف حقوق أقل كما في الحالة السورية.

ودون شك فإن حجم التهديد الذي يواجهه الكرد لا يزال كبيراً بحكم علاقة العداء من جانب هذه الأنظمة، خاصة وأنها نجحت على مدى عقود في ترسيخ تصور ذهني وقناعة لدى شعوبها، بأن وجود أي كيان كردي يعني وجود إسرائيل ثانية.

في حين أن الثابت الآخر كردياً هي حالة الشقاق تلك التي صار لزاماً علينا الاعتراف بعدم قدرتنا على الخروج من لعنتها، التي تسم تاريخنا البعيد والقريب على حد سواء، وهذا ما يعود ليثبته تعاطي إعلامنا الكردي مع الأحداث حالياً وما يحمله من خطاب كراهية تجاه الكردي الآخر.

فتبعاً للخطاب الإعلامي لطرفي الزعامة الكردستانية (البرزانية والآبوجية) وما يوازيه من خطاب وسائل إعلام للأطراف الحليفة لهما في سوريا (كحركة المجتمع الديمقراطي، والمجلس الوطني الكردي) نجد أن حالهم اليوم هي أقرب إلى حالة الأخوة الأعداء، لا بل إن الدعاية والدعاية المضادة للطرفين توحيان وكأن العلاقة قد وصلت إلى حد القطيعة، التي يُخشى ألا يكون هناك رجعة عنها دون وقوع صدام.

ففي حين أن خطاب التخوين في وسائل الإعلام المحسوبة على التيار الآبوجي، كان ولا يزال الأكثر استخداماً بحق المجلس الوطني الكردي وقياداته، بل وبحق الرئيس مسعود البرزاني نفسه؛ الذي يعتبر رمزاً كردياً وزعيماً لتيار عابر للحدود. نجد حالياً أن تواتر استخدام مصطلح الإرهاب بحق حزب العمال الكردستاني، وتالياً بحق حزب الاتحاد الديمقراطي لهو تطور خطير ولافت في خطاب الإعلام المحسوب على التيار الأول، ذلك أن البرزاني نفسه ظل طوال سنوات يرفض إطلاق صفة الإرهاب على العمال الكردستاني.

التطور الأخير جاء عقب أحداث شنكال المؤسفة والتي أدت إلى سقوط ضحايا وجرحى بين الطرفين، حيث انتقل التصعيد تلقائياً إلى الطرف الأخر من الحدود عبر حملة إغلاق وإحراق لمقرات ومكاتب المجلس الوطني الكردي وأحزابه، ترافق مع اعتقال بعض قياداته وهجوم على منازل بعض أنصاره.

ورغم أن أحداث شنكال وغيرها أظهرت وجود اعتبارات لدى الطرفين الكرديين، بعدم الرغبة في الخوض بدماء بعضهما، استناداً ربما إلى العبرة من أحداث التسعينات ووقوع ألاف الضحايا بين الأطراف الكردستانية الرئيسية الثلاث – كوصمة عار لا يجب أن تتكرر – إلا أن وجود خطاب كراهية بوجهيه الظاهر والمبطن، سيظل حاملا لخطر تحويل الخلاف السياسي إلى شرخ اجتماعي مع مرور الوقت، هذا إن لم يكن قد أحدث شرخاً حتى الآن.

وتظهر مناسبات عدة ضمن سياق ما حدث سابقاً، كيف أن خطاب الكراهية عبر الإعلام يجد له انعكاساً وخطاباً موازياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تستخدم كمنصات لتأليب الرأي العام على الخصم السياسي، على ما جرت العادة ضمن مجموعات من أنصار الطرفين على توجيه الآراء على الفيس بوك، حيث سبق أن قام أنصار للمجلس الوطني الكردي بإطلاق حملة منشورات لدى انقطاع البندورة من الأسواق العام الفائت، في محاولة لتحويلها إلى قضية رأي عام. لكن تبعها بفترة قصيرة إطلاق حملة منشورات معاكسة من جانب أنصار حركة المجتمع الديمقراطي، وكان الهدف هو الهجوم على تظاهرة كولن، التي نظمت بمناسبة مرور مئة عام على اتفاقية سايكس بيكو، لا بل إن البعض منهم ذهب إلى اعتبار اتفاقية سايكس بيكو التي يخرج لمناهضتها خصومهم، قد خدمت الكرد.

أمر مشابه جرى لدى إطلاق حملة الهاشتاغ (#No_Flyzone_4Rojava)عقب استهداف الطيران التركي لمقر القيادة العامة لوحدات حماية الشعب في جبل قراتشوك و مواقع أخرى في جبال شنكال، والذي فُسر شعبياً في البداية على أنه تهديد للكرد عموماً، حيث وقع على إثره ضحايا من البيشمركة ومن الـYPG، ما انعكس على الحملة في البداية تفاعلاً كبيراً من قبل أنصار غالبية الأطراف الكردية، قبل أن يتم استثمار الحملة وتُسيَّسَ من قبل الطرفين، الأمر الذي خفّضَ من مستوى تفاعل أنصار الوطني الكردي، لا بل إن بعض أنصاره ذهبوا إلى اعتبارها طلباً لحماية الـ ب ي د فقط (No_Flyzone_4PYD#)، ليقوم البعض لاحقاً بإطلاق هاشتاغ آخر #نريد_البيشمركة #We_Want_PeshmargaRojAva.

ما تقدم يوحي أن انصار الطرفين باتوا أكثر استعداداً للاختلاف حتى على المسلمات والقيم المشتركة من مبدأ الكيدية، ولا شك أنها تأتي كترجمة للكراهية التي يحرض عليها الخطاب الإعلامي والسياسي. ومع زيادة احتمال إطالة أمد الأزمة في المنطقة، في ظل عدم وجود رغبة للخروج من حلقة الأحقاد المفرغة، ستتزايد معها تالياً احتمالية سيرنا باتجاه التأسيس لحرب أهلية كردية- كردية.

في جانب المسؤولية، لا شك أن تواضع تأثير المثقفين المستقلين في المجتمع الكردي يترك تلقائياً المجال أمام الفئة التابعة للقيادات السياسية الأمية أو نصف المتعلمة، لكي تستمر في الترويج لخطابات تخوينية وحملات كراهية لا تساهم إلا في اقترابنا من سيناريوهات الاقتتال الأخوي.

وقد تبدو المطالبة حالياً بوحدة الموقف الكردي سياسياً، على الساحة السورية على الأقل، ضرباً من السذاجة، خاصة مع وجود مشروعين سياسيين يختلفان تبعاً لمرجعياتهما التاريخية والإيديولوجية، لكن حجم المخاطر على الأطراف الكردية جميعها سيكبر مع عدم وجود توافق على مصالح قومية، بشكل يترافق مع تنازلات حزبية وعقائدية.

قد يقول البعض إن ما يشهده الكرد من خلافات هي نتيجة طبيعية لتعدد أحلافهم وتباين مصالحهم الفئوية والطبقية وتصوراتهم السياسية، إلا أن ما يغيب عنهم هو أن هذه الخلافات قد تبدو في جانب مهم منها تعبيراً عن عقلية الصراع القروي (العشائري) ذاتها وحساسياتها، وهي تأخذ حالياً شكل ولبوس التنافس والصراع السياسي.

Leave a Reply