مشاركة

عباس علي موسى

الواقع الاقتصادي السوري برمته يحتاج إلى ترميم في أجزاء منه وإلى إعادة بناء البنية التحتية في أجزاء منه، وذلك نتيجة المعارك التي خلّفها الصراع لأكثر من ستة سنوات، وعلى كلّ حال لم يكن الواقع الاقتصادي السوري جيّدا فيما سبق أيضاً، مع العلم أنّ سوريا لم تدخل في حروب لأربعة عقود متتالية، لذا فإنّه لن يكون جيّدا في واقع الصراع المستعر بين العديد من القوى على الساحة السورية فيما يسمّيها المعارضون السوريون تهكماً بـ «الكعكة السورية» التي يتنظر الجميع تقاسمها، وقد أشار رقم أعلنته ممثلة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوربي، فيديريكا موغيريني، إلى أنّ سوريا تحتاج 900 مليار دولار لإعادة الإعمار وترميم الاقتصاد.

ويعاني السوريون من ظروف اقتصادية صعبة حيث قدّرت الأمم المتحدة عدد من هم تحت خط الفقر – وفق خط الفقر العاملي المحدد بـ 1.9 دولار للفرد يومياً – بحوالي خمسة وثمانين في المئة، وفي الجزيرة السورية؛ محافظة حسكة، فإنّ الأزمة الاقتصادية في أوجها، حيث تواجه حصاراً متقطّعاً في المنافذ الحدودية، فمثلاً المعابر التركية مغلقة منذ بدء النزاع، فيما عدا معبر درباسية الحدودي المقتصر على حركة عبور الأفراد لحالات خاصة ومحدودة وغير معدة للنشاط التجاري، ومعبر سيمالكا الحدودي مفتوح للنشاط التجاري، لكنّه يُغلق أحيانا لأسباب سياسية، كما أنّ البضاعة التي تأتي من الداخل السوري تصل إلى المستهلك وقد وصل سعرها إلى أكثر من أربعة أضعافه، نتيجة الحواجز المنتشرة في الطريق والتي تأخذ مبالغ مالية ضخمة على البضائع، وهي ضرائب غير شرعية وغير محسوبة يتم احتسابها على السلع التي يدفعها المستهلك في النهاية.

في محافظة حسكة فإنّ الوضع مختلف فيه عما هو في المحافظات السورية الأخرى، فالإدارة الذاتية الديمقراطية المعلنة منذ 2014 في مناطق ثلاث (الجزيرة – كوباني – عفرين) أعلنت أنّها ستدير هذه المناطق من مختلف النواحي، فقد أنشأت هيئات في مختلف الاختصاصات (اقتصاد – صحة – تعليم …إلخ)، وهي كذلك تقدّم الحماية عن طريق الأسايش، وتنظم المرور، ومع أنّ هيئات النظام ومديرياته لا تزال متواجدة في تجمعات إدارية في مركز مدينة قامشلي وتدفع الرواتب لموظفي قطاعاتها المختلفة، إلا أنّ الإدارة الذاتية تعمل في مختلف القطاعات الخدمية، وتقوم بتسجيل المركبات والسيارات وتقدم الحماية عبر الحواجز وقوات الأسايش والضابطة في الأسواق، ولذلك فثمة ما يسمى بالازدواج الإداري وتداخل في بعض القطاعات كما حصل مع قطاع التعليم.

الضرائب والرسوم هل يتم دفعها مرتين؟!

تفرض الإدارة الذاتية رسوماً على المواطنين لقاء بعض الخدمات كما الحال فيما يسمى برسم الخدمات التي تستحصلها هيئة الإدارة المحلية والبلديات وهي مبلغ 500 ل.س شهرياً لقاء بعض الخدمات منها رمي القمامة من أمام المنازل، إلا أنّ المواطن يضطر أحياناً إلى دفع رسوم مرتين عن ذات الشيء، كما هو حال جاسم عطا الله، وهو سائق شاحنة متوسطة يعمل على نقل الخضار بين مختلف مدن محافظة حسكة، إذ اضطر جاسم (42 عاماً) إلى تسجيل شاحنته لدى ترافيك روجافا (إدارة المرور في الإدارة الذاتية)، كونه يمرّ عبر دوريات للترافيك، وهو كذلك ملزم بدفع رسوم لإدارة مرور حسكة كونه يمرّ بدوريات للمرور التابعة للنظام ومضطر للتعامل معها بسبب ظروف عمله. يقول جاسم: «مع أنني سجلت شاحنتي لدى الترافيك، إلا أنني أحمل وصلاً ولم أضع النمرة المخصصة، وأبقيت على نمرة محافظة حسكة لأنني أمر في مناطق النظام». وقد خصصت إدارة ترافيك روجافا لوحات خاصة بها تحملها السيارات داخل مقاطعة الجزيرة، وتلزم السيارات الشاحنة بالتسجيل لديها ودفع الرسوم كذلك.

فيما يتنصّل البعض من دفع الرسوم لإدارة المرور التابعة للنظام، كما هو حال السائق جعفر الياس، الذي يمتلك سيارة تكسي، فهو أشار إلى أنّه لا يدفع الرسوم إلى إدارة المرور، وهو يدفع التأمينات فقط «لأنّ التأمينات ستعود بالنفع عليّ أقوم بدفعها، لكن لست مضطراً لدفع رسوم أخرى، فما الذي يقدمونه لي في الأساس؟»

كما أنّ المحلات التجارية في السوق مثلاً تدفع رسوماً لهيئة البلديات في الإدارة الذاتية للحماية وخدمات النظافة في كل شهر عبر جباة وموظفين لديها، إلا أنّهم لا يدفعون رسوماً لإدارة بلديات النظام، لكنّ النظام يلجأ إلى طرق عدة لاستحصال رسوم وضرائب من المواطنين وذلك عبر تعطيل سير بعض الأوراق الرسمية التي يضطر المواطنون إلى عملها لدى الدوائر الرسمية، كدائرة البريد والهاتف وكذلك قسم براءة الذمة التي لا تمنح إلا إذا كان الشخص قد دفع ما يترتب عليه من رسوم وضرائب من مختلف الدوائر الحكومية.

ضريبة الدخل، هل هي خفيفة بالفعل؟!

أصدرت هيئة المالية في الإدارة الذاتية مؤخراً قراراً باستحصال ضرائب الدخل من مواطني روجافا (كانتون الجزيرة – كوباني – عفرين) وهي عبارة عن ضريبة بتسع شرائح تبدأ بألف ليرة سورية من صافي الدخل للمواطن لمبلغ  120 ألف ليرة سورية في الشهر ما يعني أنّ من يبلغ مورده المالي مليون ومئتي ألف في السنة الواحدة، سيكون ضمن الشريحة الأولى وسيدفع مبلغ ألف ليرة سورية وهم غالبية المواطنين، حسب البروشور الدعائي الذي وزعته الهيئة على المواطنين. سنّ قانون ضريبة الدخل مع نهاية 2016، وتم التصديق عليه، وسيتم تطبيقه وتنفيذه مع بداية العام 2018.

وأصدر مكتب الإعلام في الهيئة بروشورات وموشنجرافيك يشرح فيه ضريبة الدخل والشرائح المستهدفة، بغرض اهتمام المواطنين بالأمر، إلا أنّ «الضريبة ومهما كانت رمزية أو بسيطة فهي تترك في نفس المواطن وقعاً سلبياً، لأنها واجبة»، كما وصفها عبد الله حسو، نائب الرئاسة المشتركة لهيئة المالية الذي التقته روك أونلاين بمكتبه.

وحول الازدواج الضريبي أشار حسو إلى أحقية المطالبة بالضرائب للإدارة الذاتية، فهي «الجهة التي تقدّم الخدمات وتؤمن المستلزمات الضرورية وتقدّم الأمن وتحمي المنطقة، فهي مخوّلة بالتالي لتفرض ضرائب وتجبي الرسوم وتستحصلها من المواطنين، لكنّها في النهاية رمزية»، وأكّد حسو أنّه لا يوجد تنسيق مع دوائر النظام في هذا الإطار، «في المستقبل، حين تستقر الأوضاع في سوريا ويتم توافق سياسي، بإمكاننا حينها التنسيق مع الجهات المعنية، فنحن أخيراً جزء من سوريا، وبطبيعة الحال ستحصل هناك حالات ازدواج ضريبي».

والازدواج الضريبي يحصل بين نظامين اقتصاديين مطبقين على نفس الشريحة المجتمعية كما الحال في مناطق الإدارة الذاتية، ويصف خورشيد عليكا، وهو باحث اقتصادي، نوع الازدواج الضريبي في المناطق الكردية بالازدواج الضريبي المقصود، ويشير عليكا إلى أنّ إحداث الضرائب «قد يراد بها تحقيق أهداف عديدة قد تكون اقتصادية وقد تكون اجتماعية وسياسية».

كما أنّ دفع الضريبة لأكثر من مرة على الوعاء الضريبي نفسه يثقل كاهل المكلف بأكثر من طاقته التكليفية، على حدّ وصف عليكا العضو في جمعية الاقتصاديين الكرد في سوريا ، ويصف الرسوم الجمركية وخاصة بالنسبة للسلع القادمة من الداخل السوري بين الإدارة الذاتية والنظام بالازدواجية.

ويقول متذمراً عزيز شيخموس الذي يمتلك محلاً للألبسة في سوق قامشلي: «الموضوع متعلّق بأنّنا ندفع دائماً، ندفع رسوم للبلديات ويصفونها بالرمزية، وندفع المسقّفات للنظام، وحتى البضائع يتم أخذ ضرائب ورسوم عليها سواء القادمة من إقليم كردستان أو الداخل السوري، فنحن ندفع دوماً، فأين الخفّة في الموضوع؟!»

من الازدواج الإداري إلى الازدواج الضريبي

تشهد منطقة الجزيرة ازدواجاً على مستويات عدة، فلا تزال مؤسسات النظام قائمة حتى وإن تم تقليص أعدادها واقتصار أماكن تجمعها في المربع الأمني بمدينتي حسكة وقامشلي، ولا تستطيع الإدارة الذاتية أن تكون بديلاً في كلّ المفاصل الإدارية، وتعاني الكثير من مؤسسات الإدارة الذاتية من ضعف وعدم الخبرة في الكثير من النواحي نتيجة قلة الكادر أو عدم تخصّصه أحياناً، وفيما يخصّ الإدارة المالية فإنّ الإدارة الذاتية لا تمتلك سياسة نقدية خاصة بها إنما هي من اختصاص مجلس النقد والتسليف التابع للنظام، كما أشارت جمعية الاقتصاديين الكرد في سوريا.

في ظلّ الظروف الراهنة والصعبة على جميع المستويات، وخاصة الخدمية، لا يمتلك المواطن إلا أن يكون متذمّراً، فالكهرباء غير متوفرة على الرغم من وجود هيئة للطاقة ومديريات للكهرباء، والماء ومشاكله لا تنتهي مع الصيف وحرارته والأسعار في ارتفاع دوماً، ويدفع المواطن للجميع دوماً دون أن يحصل على خدمات جيّدة.

Leave a Reply