الرئيسية رأي ما بعد عفرين… عرب الشهباء تحت وصاية التركمان

ما بعد عفرين… عرب الشهباء تحت وصاية التركمان

حسين جمو
كاتب كردي من سوريا متخصص بالشؤون الكردية في الشرق الأوسط، له العديد من المقالات في المواقع والصحف الكردية والعربية، كما نشر عدة أبحاث حول القضية الكردية في تركيا وسوريا
مشاركة

ترتسم معالم معركة كبيرة بين تركيا ووحدات حماية الشعب في عفرين ومناطق الشهباء بدون وجود كوابح دولية هذه المرة. فروسيا التي أوحت على مدى شهور أنها يمكن أن تلعب دور «الضامن» لعدم شن تركيا أي اعتداء عسكري يستهدف عفرين، تبدو اليوم أقرب إلى الجبهة التركية. الواقع أن وحدات حماية الشعب تحلت ببعد نظر حين رفضت وضع أوراقها في أيدي روسيا في عفرين، حيث أن موسكو حاولت منذ البداية لوي ذراع الكرد عبر اشتراطها رفع أعلام النظام في عفرين والمناطق المحيطة بها وإعلان تبعية هذه المناطق للنظام السوري. والدعم الروسي المبطن اليوم للعدوان التركي في جانب منه رد عسكري على رفض وحدات حماية الشعب إعلان تبعية عفرين للنظام السوري.

هذا المشهد المعقد يتضمن اجتماع الأعداء في مساحة ضيقة، فالقيادي في حزب العمال الكردستاني مراد قريلان تحدث بوضوح عن تواطؤ روسي إيراني سوري مع المخططات التركية. وباعتبار أن الوجود الأميركي المباشر ما زال ملتزماً بحدود منبج، فإن روسيا تعتبر المنطقة الواقعة غرب منبج وحتى عفرين وإدلب ساحة لعب بينها وبين تركيا والنظام السوري. كيف اجتمع الأعداء على عفرين والشهباء؟ يعود الأمر إلى النظرية السياسية الفريدة التي تشترك فيها كل من تركيا وروسيا، وهو اعتبار سوريا مربعات جغرافية منفصلة، وهي نظرية غير معلنة لكنها تستند إلى الوقائع الميدانية. لا تتبع الدول عادة هذه السياسية، فهي أسلوب للميليشيات والعصابات المسلحة. وفق هذه السياسة تقوم تركيا بوضع الكرد بين خيارين: إما إعلان التبعية للنظام السوري، وحينها تقوم تركيا بإيقاف الغزو بتدخل روسي، وإما شن هجوم على عفرين في محاولة احتلال عسكري ينهي الحكم الذاتي الكردي في هذه الزاوية الجبلية أقصى شمال غرب حلب.

بحسب المعطيات التي توافرت قبل أسابيع فإن تركيا قدمت عرضين منفصلين لكل من أميركا وروسيا يقضي كل منهما بدخول تركيا في الحرب ضد داعش في الرقة، وضد جبهة النصرة في إدلب. الأميركيون رفضوا العرض التركي مثلما تم الإعلان عنه، فيما قبلت روسيا العرض التركي. لاحقاً حاولت روسيا دفع وحدات حماية الشعب إلى الاستسلام بطلبها إعلان تبعية عفرين للنظام السوري، وهو ما رفضته القوات الكردية بشكل غير قابل للتفاوض.

منذ أعوام تتأهب القوات الكردية لمثل هذه المعركة. ورفضُ العرض الروسي إنما جاء تبعاً للجاهزية الكردية التصدي لأي عدوان تركي، وليس نابعاً من وعود أميركية بحماية عفرين من «المربّعات التركية الروسية».

لكن فيما تتجه الأنظار إلى خطوط الاشتباك الكردية التركية، فإن الساحة الخلفية لمناطق ما يسمى <درع الفرات> تشهد عملية صامتة من شأنها القضاء على الفصائل العربية المنخرطة في <درع الفرات>. الواقع أن الخطة التركية لغزو عفرين هي عملية مشتركة مع روسيا إذا ما نظرنا في بعدها الآخر الذي يؤدي إلى القضاء على جبهة النصرة في إدلب، أما في شمال حلب، في المثلث الممتد بين جرابلس – اعزاز – الباب، فهي حرب تصفية للفصائل العربية على أيدي الفصائل التركمانية.

تقع المنطقة الممتدة بين جرابلس وبلدة الراعي في دائرة نفوذ التركمان عسكرياً، فيما المنطقة من الراعي إلى اعزاز فإن السيطرة الميدانية فيها هي للجبهة الشامية وفيلق الشام وأحرار الشرقية، وجميع هذه الفصائل تعمل لصالح تركيا، لكن ليس بنفس الدرجة.

مع بداية الحراك المعارض ضد بشار الأسد استغرقت تركيا فترة من الزمن حتى اختارت الشخصيات التي تناسبها على الأرض، فتم زرع التركمان في جسم الفصائل المعارضة منذ فترة مبكرة، وكذلك في المجال الإغاثي. في صيف 2012 لم يخفِ أحد قادة المجموعات المسلحة في حلب أن مكانته تأتي كونه من أصول تركمانية رغم أنه لا يتقن التركية. هذا الأمر انسحب على بقية القطاعات بدرجة أو بأخرى، وباتت قاعدة بيانات التركمان معروفة للأجهزة التي تقوم بتكليفهم بمهام لصالح تركيا. وحتى القيادي الشهير للواء التوحيد، عبدالقادر الصالح، من عائلة ذات أصول تركمانية في مارع، مكّنه من بروز نجمه بشكل يفوق دوره الحقيقي حتى اغتياله.

على نفس المنوال، قامت تركيا باستغلال صفقة تهجير سكان حي الوعر في حمص بعد وصولهم إلى إدلب. ومن بين كل صفقات التهجير التي أيدتها تركيا، فإنها اختارت مهجري الوعر بشكل أساسي لإسكانهم في منازل الكرد بمنطقة ريف الباب، نظراً لأن غالبية أهالي الوعر من أصول تركمانية. يتم إسكان هؤلاء بالتدريج في قرى كردية في المثلث الممتد بين جرابلس والراعي والباب. وكذلك وصلت عشرات العائلات التركمانية من تلعفر وأسكنتهم السلطات التركية في هذه المنطقة.

إن المخطط التركي لغزو عفرين يتيح لها جلب قوات كبيرة من جنودها إلى هذه المنطقة، وبذلك تحقق عدة أهداف، ففضلاً عن الهدف الأول المتمثل بالقضاء على تجربة الإدارة الذاتية في عفرين أو وضعها تحت سيطرة النظام فإنها تتخلص من الحاجة إلى الفصائل العربية في المناطق التي احتلتها تركيا عبر عملية ‹درع الفرات›، حيث أن هذه الأطراف المسلحة الممولة تركياً تقاوم وضعها تحت وصاية التركمان. والواقع أن معلومات موثقة تشير إلى تسرب مئات المقاتلين من خدمة تركيا وانضمامهم إلى قوات سوريا الديمقراطية. والسبب الرئيسي تحكم ذوي الأصول التركمانية بالأمر والنهي و‹الغنائم›. ورغم إغلاق تركيا الصدامات المسلحة بين الفصائل العربية والتركمانية أمام الإعلام، إلا أن المعركة الكبيرة التي جرت الشهر الماضي في مدينة الباب وقبلها بين لواء السلطان مراد التركماني وأحرار الشرقية (من عشيرة الشعيطات) في الراعي كشفت عن تناقضات كبيرة بين هذه الأطراف. وبحسب شهادات لسكان في منطقة الباب فإن تركيا تقوم بتمويل عمليات شراء واسعة للعقارات والأراضي وتسجلها بأسماء قادة تركمان ضمن مخطط لتمليك هذه المنطقة وقطع التطريق على الممر الجغرافي للتحالف الكردي العربي في قوات سوريا الديمقراطية للربط بين منبج وعفرين.

بكل الأحوال، ستخوض وحدات حماية الشعب معركة الدفاع عن عفرين مسنودة بتفويض شعبي غير مسبوق تجسد في المظاهرة التي خرج فيها نحو 100 ألف شخص في شوارع المدينة الأربعاء. أما الخطة التركية في دعم توسع النظام السوري وحليفته إيران فستبقى مستمرة طالما أن المجموعات العربية المسلحة تقوم هي الأخرى بدعم توسيع مساحة النظام السوري وتمكين روسيا على الأرض وفق أهداف «المشروع التركي الصغير».

Leave a Reply