الرئيسية تقارير الله والشيخ عبد ديب الحدود… ما ضل حدود! 

الله والشيخ عبد ديب الحدود… ما ضل حدود! 

816
مشاركة
منظر عام لمدينة قامشلو - روك أونلاين

حمزة همكي

ليس به مسٌّ هذا الرجل. ليس ماجناً أو به سكرٌ، فهو لا يحتسي سوى الشاي بنكهة القرفة، ولا يحتسي إلا قهوة مستوردة يفضل منها المصنوعة إسبانيِّاً على المصنوعة هنديِّاً شغفاً بالأفضل نكهة ومذاقاً.

لا يبدو عليه التوتر إذ ينادي المسافرين في كراج قامشلو في المنطقة الصناعية حيث المتوجهون شرقاً إلى مدينة رميلان الشهيرة وحتى آخر مدينة سورية في أقصى الشمال الشرقي، ديرك. يعدُّ الركاب واحداً واحداً… ها قد اكتمل العدد؛ إنهم أحد عشر راكباً. ويقول بطراوة في الكلام: «الله والشيخ عبد. إيجاركم يا شباب».

«حدا إلو عندي رجوع». وقبل أن يغلق الباب ويتوجه إلى مقود السيارة يرددها ثانية «الله والشيخ عبد ديب الحدود» ويمضي على عجل إلى المقود.

عبد القادر رجل أربعينيٌ، ويبدو لمن لا يعرفه أقل من ذلك سناً. يمتلك عينين صغيرتين محفورتين حفراً في مكانهما في وجهه الظريف الممزوج بين الرجولة والطفولة وصفاً دقيقاً.

ويعمل الشيخ سائقاً في كراج المدينة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، لم تخلو مسيرته في العمل من المشاجرات المعتادة بين سائقي الكراج، تارة على الركاب، وأخرى على الدور، وقوفاً عند كلامه.

ويشرح في حديث لروك أونلاين: «منذ أكثر من خمسة عشر عاماً وأنا أعمل سائقاً على خط (قامشلو – ديرك). جهدت طوال مسيرتي في العمل ألا أزعج أحداً من زملائي السائقين. لكن وأنت تعمل في مهنة تجد فيها صنوفاً شتى من التعامل والنفسيات المختلفة. لا يخلو الأمر في هكذا محيط من مناكفات والتي تصل أحياناً إلى حد المشاجرة وتراشق الشتائم».

ويضيف بأسلوب مرح كعادته في الحديث: «على الرغم من ذلك لم أدخل في هكذا مشاحنات إلاَّ مضطراً للدفاع عن نفسي على الأقل، وحفظاً لماء وجهي أمام زملائي في العمل كي لا أوصف بالجبن».

يرفع عبد القادر صوت المسجلة إيذاناً منه بالخروج من مدخل المدينة الشرقي على أغانٍ شعبية كردية وعربية صاخبة يلوح بيديه وكأنه يقود حلقة دبكة لا سيارة بها ركاب رجال ونساء وأطفال.

ويردد مقولته التي عرف بها: «الله والشيخ عبد.. ديب الحدود». وذيلها مؤخراً بـ «ما ضل حدود»!

وللشيخ باع طويل في مغامرات خاضها على الحدود بين سوريا وإقليم كردستان العراق وعلى الحدود السورية التركية قبل العام 2011 وبعده. فقد كان يقوم بنقل العوائل الخارجة من سوريا إلى الإقليم وإلى تركيا فضلاً عن تهريب بعض المواد الغذائية من وإلى مناطق قامشلو.

بيد أنه توقف عن ذلك قبل أكثر من عام وذلك هو سر مقولته وذيلها. «أنا أشعر بالحنين إلى تلك المغامرات»، يقولها متنهداً.

ويردف متأففاً: «الحياة لا تطاق من دون مغامرات».

لا يضع عبد القادر جهاز تغيير الأغاني من يده وهو يقود السيارة يقلبها واحدة تلو الأخرى يبحث عن أغنية عمر سليمان الشهيرة «جاني والعجيانَ الفلتانة» ويقوم بترديدها معه مع فواصل من لازمته (ديب الحدود..).

في آخر مرة ركبت معه لم تكن سيارته على ما يرام فمرآة جهة اليسار لم تكن موجودة فقد خلعت من محلها وكانت رائحة المازوت تملئ المكان. لكنه كان كما عرفته وعرفه الناس لم يكن يبدو عليه الاكتراث.

كنا أحد عشر راكباً، ست نساء معهن ثلاثة أطفال إضافة إلى خمس رجال. وقبل أن نخرج من مدخل المدينة الشرقي حيث حي جمعاية الذي تفوح منه رائحة روث الخراف والأبقار باعتباره مركزاً لهنكارات الماشية والأبقار. لمحنا حادث سير اصطدمت فيه سيارة بدراجة نارية كانت وصاحبها مرميين على طرف الطريق وقد تجمع عدد من الناس حوله.

وبعد تجاوزنا لمكان الحادث بمئتي متر تقريباً كان مقود السيارة بين يدي «ديب الحدود» يدار بطريقة أقرب إلى سباق رالي للسيارات، وعلى حين غرة كانت السيارة في الاتجاه المعاكس وصوت النساء قد ارتفع بالدعاء والتضرع إلى الله. «لا ليس حادثاً» يطمئنهن أحد الركاب.

ويعود عبد القادر إلى مكان الحادث: «حدا صرلو شي يا شباب؟» واستدارة أخرى يتوجه بها إلى مساره ويكمل طريقه مردداً: «الله والشيخ عبد ديب الحدود.. ما ضل حدود»!

ويقصُّ علينا الشيخ حكاية انتشار رائحة المازوت في السيارة قائلاً: «قبل يومين أخذت مجموعة مقاتلين من وحدات حماية الشعب إلى منطقة الرقة». يوضح: «أخذت معي (بيدونة) مازوت كي لا أنقطع في مكان ما، وفي الطريق انفلت غطاءها وانسكب المازوت في أرضية السيارة. حاولت أن أغسلها بكل الطرق لكن عبثاً، فالرائحة لم تذهب».

ولا يرضى سائقنا أن يسبقه أحدٌ بسيارته فسرعان ما يخطف بالسيارة خطفاً إلى الأمام في وقت يحاول الرجال التأقلم مع الوضع بيد أن النساء لا يبرحن يدعين بكل دعاء تسعفهن به ذاكرتهن للوصول بسلامة.

ولدى دخولنا إلى بلدة تربه سبيه/ القحطانية 30 كم شرقي قامشلو فرغ مخزن السيارة من المازوت، ولحسن الحظ أوصلتنا إلى محطة الوقود وسط البلدة. ملأه الشيخ وأكمل الطريق شرقاً.

هذه حال من يستقلُّ سيارة ديب الحدود سواء شغفاً بالمغامرة أو لم يكن على دراية بما سيؤول إليه الوضع بعد قليل لدى خروجه من كراج مدينة قامشلو.

مشاركة

Leave a Reply