الرئيسية رأي الآثار المدمرة لتغيير الهوية الكردية قسراً

الآثار المدمرة لتغيير الهوية الكردية قسراً

شيار عيسى
ماجستير في العلوم السياسية وكاتب وباحث كردي من سوريا، له العديد من الأبحاث المنشورة، مختص بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وصدر له كتاب بعنوان «تساؤلات في الديمقراطية- سوريا نموذجاً».
مشاركة

لم تكن دعوات قيادات حركة المجتمع الديمقراطي تؤخذ بمحمل الجد حين كانوا يصرحون بأنهم بصدد بناء مجتمع كردي جديد، ظناً أنها تدخل في إطار سلسلة طويلة من التصريحات والمواقف الضبابية التي لازمت مسيرة حزب العمال الكردستاني الطويلة للاستهلاك المحلي الحزبي، خاصة في ظل عدم وجود دراسات تدعم ما ذهب إليه قادة الحزب من وجود خلل بنيوي في المجتمع الكردي، ووضع الإصبع على مكامن الضعف، والإشارة إلى سبل الحل.

لكن يبدو أن تلك الدعوات كانت بتخطيط مسبق وعن دراية، وليس كما خيل للكثيرين، ولكن لم يعلن عن تفاصيلها لأنها ليست مشروعاً وطنياً، بل حزبياً وإيديولوجياً يهدف إلى تعليب المجتمع الكردي في إطار أسس ومشاريع نظرية طوباوية عفى عليها الزمن.

الأخطر من ذلك هو محاولة تغيير الهوية الكردية في سوريا قسراً، فحتى تصبح «مواطناً جيداً» يتوجب عليك أن تستعمل لهجة خاصة يتداولها أنصار الحزب، فيها ما فيها من كلمات غريبة عن الثقافة الكردية، وأن تتصرف بطريقة يحددونها لك في تغيير صارخ لعادات المجتمع الكردي، وحتى الزي الكردي الفلكلوري تم المس به عبر استحداث موض جديدة ليست إلا تشويهاً للزي الكردي، وسبق كل هذا تغيير العلم الكردي ودعوات لتغيير النشيد أيضاً في محاولة لاستحداث هوية جديدة للمجتمع الكردي، مع العلم أن هكذا خطوات يجب أن تقوم بها سلطة تشريعية منتخبة ولا يحق لجهة سياسية فرضها.

تعيش المجتمعات في عصور ما بعد الحداثة تغييرات متواترة تؤثر عليها وتجعلها في حركة دائمة، لكن تلك المتحولات تأتي عادة كرد طبيعي على مجموعة ظروف موضوعية وليست قسرية، فالموروث الثقافي للشعوب، وعاداتها وتقاليدها، وكذلك هويتها الجمعية، ليس من السهل بمكان تغييرها قسراً، ويمكن أن تؤدي المحاولة تلك إلى خلل في ثالوث الانتماء المكون من الانتماء للأرض والشعب والعملية السياسية، فالعلاقة بين الانتماء والهوية عضوية لا يمكن الفصل بينهما، وهو ما يشكل حجر الأساس في بناء الكيانات الجديدة لما للمفهومين من تشابك. فأي كيان لا يمكن أن يتكون وتكتب له الديمومة بهوية مصطنعة مجتزأة، ولا يمكن أن تؤدي تلك الهوية بطبيعة الحال إلى تشكيل انتماء موحد لكافة أفرادها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى آثار مدمرة على المجتمعات، الأمر الذي يمكن أن نرى بوادره بوضوح في ما آلت إليه الحالة الكردية السياسية والمجتمعية والثقافية من ضمور ونكوص.

يزخر التاريخ بأمثلة عن فلاسفة وحركات غيروا وجه التاريخ عبر كتاباتهم، أو من خلال استنادهم إلى تجارب ومُثل فلسفية، فالثورات الفرنسية والبريطانية والأمريكية استندت إلى كتابات فلاسفة كبار استطاعوا أن يغيروا وجه العالم، وليس فقط الهوية الثقافية لشعوبهم، لكن تلك التغييرات حدثت عبر دراية تامة بكافة تفاصيل تاريخ وعادات وتقاليد تلك المجتمعات من قبل حوامل تلك المشاريع، فعندما طرح، على سبيل المثال لا الحصر، توماس هوبز نظرية العقد الاجتماعي، التي يعتبر رائدها، قام بتحليل أدق تفاصيل حياة البريطانيين وعاداتهم والظروف المزرية التي كانوا يعيشونها، لوضع حلول مجتمعية وسياسية لتلك المعضلات، وشكلت نظريته تلك حقبة جديدة في الفكر والتجربة السياسية أثرت في موروث وقيم وهوية مجتمعات عديدة في أوربا. كما أن الملك السويدي غوستاف فازا كان يعلم طبيعة مجتمعه وهمومه، وحاول وضع حلول أثبتت جدواها، ولا تزال آثارها ماثلة للعيان، وأنتجت ثقافة سميت فيما بعد بثقافة التساوي لدى السويديين، حين قام بالانقلاب على النبلاء ووزع أراضيهم على الفلاحين بالتساوي، الأمر الذي أنتج مجتمعاً يرى أن المساواة بين المواطنين أساس المملكة السويدية، وغدت هذه من قيم المجتمع السويدي وجزءاً من هويته.

أما في حالة حزب العمال الكردستاني فيبدو أنه منفصم عن واقع غربي كردستان ويحاول أن يقوم بإسقاط التجربة السياسية وعادات وتقاليد كرد تركيا على الكرد في غربي كردستان رغم الاختلاف الكبير بين التجربتين، ويعتمد على قوته العسكرية لقولبة المجتمع الكردي في إطار أيدولوجيته، التي يبدو أنها عنَت، وفقدت قدرتها على العطاء، وأصبحت عصية على التطور والتكيف مع متغيرات جمة حدثت في العالم بعد طرح نظرياتهم، التي توقف من روج لها عن طرحها  قبل 70 عام، فتلقفها حزب العمال الكردستاني ليجرب ما ثبُت فشله وما هجره مطلقوه.

الأنكى من هذا وذاك هو تماهي أنصار الحزب مع متلازمة عُصاب الهويات، التي أثبتت بدورها فشلها في العالم، وما أحداث الشرق الأوسط، وتدمير البنى الفوقية الحاصل الآن إلا مثالاً على ذلك الفشل. لم يقتصر الأمر على هذا، فعندما يعتبر التركي أو العربي أو الإيراني أن هوياتهم متفوقة على الهوية الكردية فهذا يدخل في إطار الشوفينية القومية التي، وإن أضرت بتلك البلدان، لكنها أدت فيما أدت إليه إلى بناء دول قومية لمواطنيها، أما اعتبار حزب العمال الكردستاني هويته المصطنعة التي يريد أن يفرضها عنوة على الشعب الكردي هوية متفوقة على الهوية الكردية، فلا يدخل إلا في إطار متلازمة الشقاق الموسومة كردياً، والتي تدخل في إطار تفضيل الخاص من المصالح على العام منها كردياً، فقبل 200 عام كان الولاء للإمارة والعشيرة على حساب القومية، فانهارت الإمارات الكردية الواحدة تلو الأخرى، ولم تتغير حالياً إلا المسميات، فالولاء أيضاً خاص متمثل بالحزب على حساب هوية وقضية ما أبقاه حزب العمال الكردستاني من شعب كردي في سوريا.

Leave a Reply