الرئيسية رأي هل ينجح الكرد هذه المرة في التحالف مع الغرب؟

هل ينجح الكرد هذه المرة في التحالف مع الغرب؟

داريوس الدرويش
كاتب وناشط كردي من سوريا، يكتب مقالات رأي في الصحف والمواقع المحلية والدولية، وله أبحاث منشورة حول القضايا المتعلقة بكرد سوريا.
مشاركة

عانى الكرد طوال المئة عام الأخيرة من بؤس تحالفاتهم التي اعتبروا أن الغدر بهم والتخلي عنهم هي سمتها الرئيسية في أكثر المراحل مفصلية من تاريخ القضيّة الكرديّة، فيما اعتبرتها الأوساط الثقافية المقربة من الأنظمة المحتلة لكردستان «استخداماً للكرد للتآمر على الوطن». إلا أنه ما بين يأس الكرد من الدخول في تحالفات تذهب لأبعد من نصف المسافة في طريق حريتهم، وبين التحذير (المبطن بتهديد) الذي يوجهه مثقفو الشعوب الأخرى للكرد من الاستغناء السهل للغرب عنهم، ثمّة شروط موضوعية لإقامة التحالفات لم يحققها الكرد في السابق، ولا علاقة لها بنظريات المؤامرة ومفاهيم الغدر والتآمر على الأوطان.

تظهر تجربة جمهورية مهاباد كيف أن الكرد لم يأخذوا بعين الاعتبار القدرات الحقيقية لحلفائهم، ويبدو أن البعض حتى الآن لا يأخذون بها، إذ ثمّة رأياً كرديّاً يقول إن الاتحاد السوفييتي تخلى عن الجمهورية الفتية، وعن الجمهورية الأذرية في تبريز التي كان من المزمع انفصالها أيضاً عن إيران، طمعاً في اتفاق عقده رئيس الوزراء الإيراني آنذاك، أحمد قوام السلطنة، مع ستالين يمنح بموجبه حقوق التنقيب عن النفط والغاز إلى الاتحاد السوفييتي في شمالي إيران، أي في نفس المنطقة التي كانت تحت الاحتلال السوفييتي المباشر. إلا أن غرابة هذا الاتفاق الذي لم تصادق عليه إيران أصلاً، جدير به أن يثير شكوكاً حول ما يُتّهم به ستالين من طمع، فلماذا يتخلى عن منطقة يحتلها، ويقوم بتسليم جمهوريتي كردستان وأذربيجان إلى إيران، مقابل مجرّد امتيازات اقتصادية ستكون محدودة حتماً مقارنة مع الحقوق الاقتصادية الكاملة التي كان سيحصل عليها إن ألحق الجمهوريتين بالاتحاد السوفييتي؟

في الواقع، فإن هذا الاتفاق الذي يصوّره الإيرانيّون على أنّه خدعة كبيرة تمكنوا من تمريرها على السوفييت، لم يكن كما يبدو إلا جائزة ترضية قدمت إلى ستالين ليحافظ على ماء وجهه بعد إجباره من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا على الانسحاب من إيران بموجب اتفاق وقعته كل من بريطانيا والاتحاد السوفييتي بعد عامين تقريباً من احتلالهما المشترك لإيران في 1941. فالقضيّة إذاً لم تكن مسؤوليّة سوفيتيّة فقط، هذا إن كان من الحكمة تحميلها أي مسؤولية أصلاً، فيما تقع مسؤولية أكبر على كل من بريطانيا وأمريكا بسبب إصرارهما على خروج السوفييت من إيران قبل تحقيق الاستقلالين الكردي والأذري عنها والاعتراف بهما دولياً. ولكن رغم هذا وذاك، فإن المسؤولية الأهم تقع على عاتق الكرد بسبب عدم قراءتهم المتمعنة لأبعاد الاتفاقيات المبرمة (والمعلنة في حينها في أكثر من مناسبة) وقدرتها على إخراج الاتحاد السوفييتي من إيران.

ومع ذلك تبدو تجربة مهاباد هي الأكثر حكمة بين الثورات الكردية في بدايات القرن العشرين. إذ اعتمدت على دعم من دولة عظمى، وإن كان مؤقتاً، في حين أن الثورات المتكرّرة للشيخ محمود الحفيد مثلاً لم تكن محرومة من الدعم الدولي فقط، بل كانت تشكّل تهديداً مباشراً لمصالح بريطانيا العظمى في العراق ولم تراع خطوطها الحمر في المنطقة الغنية بالنفط. يقول مهيرداد إيزادي في كتابه التاريخي «الكرد»: إن السلطات البريطانية في العراق اختارت بالأصل الحفيد ليخضع الكرد ويشرف عليهم لصالح بريطانيا في انتدابها الجديد في العراق، ويضيف «إلا أنه فعل هذا، ولكن ليس لصالح بريطانيا». فالأخيرة ما كان لها أن تتسامح مع خسارة مناطق من العراق لصالح أي جهة كانت، بما فيها تركيا القوية حينها، التي أخرجت من الموصل عام 1926. رغم ذلك، تعاملت بريطانيا مع أول دولة كردية في العراق (مملكة كردستان) بقيادة محمود الحفيد مكتفية بإرسال حاكم سياسي من قبلهم إلى المنطقة، وهو النفوذ الذي لم يقبله الشيخ وأعلن الانتفاضة عليهم.

أضف إلى مسألتي التقدير الخاطئ لإمكانيات الحلفاء، وتهديد مصالح الدول العظمى ممن كان يفترض بها أن تكون حليفة بحجّة أنّها «دول استعمار»، هناك التضاد القيمي الذي وسم الثورات القوميّة الكرديّة ذات الطابع الديني في البدايات، ولا يقتصر الأمر هنا على كون الغالبية العظمى من قادة الثورات هم من كبار شيوخ الدين (الشيخ عبيد الله النهري، الشيخ محمود الحفيد، الشيخ سعيد بيران، الشيخ أحمد برزاني، وغيرهم)، إذ كانت قيادتهم عاملاً إيجابياً وفق وجهة نظر معينة تفترض أنهم كانوا الأكثر قدرة على جمع الكرد من حولهم حينها، إلا أن وجود أهداف دينية في بعض الثورات في شمالي كردستان (كمقاومة سقوط الخلافة العثمانية) حال دون نشوء أي مشتركات قيميّة لإقامة التحالف مع الدول العظمى آنذاك (والآن). خاصة مع وجود بدلاء أقوياء: تمثّل في أتاتورك الممتثل للقيم الغربية بالكامل، والذي أنهى ما كان الغرب قد بدأه في إسقاط الخلافة، إلى جانب العرب الذين ساهموا أيضاً بقوّة في تفكيك الإمبراطوريّة العثمانيّة، وكانوا يحكمون على أهم مخزون استراتيجي للنفط في الجزيرة العربية.

ولكن مقابل تلك المواقف الكرديّة المشبعة بشعارات مناهضة للاستعمار والحكم العلماني، ثمة مواقف معاكسة لقيادات الشعوب الأخرى التي نجحت في تحالفاتها؛ فالعراق الملكي نفسه، والذي كانت مملكة كردستان جزءاً منه، قبل قادته الانتداب البريطاني وتعيينه عشرات الحكام السياسيّين والعسكريّين، وفي سوريا كان من رفضها من المسؤولين السياسيين والعسكريين هو وزير الحربية يوسف العظمة (يقال أنه من أصول كردية). ومن الناحية القيمية نجد اليابان التي تخلّت عن الكثير من قيم الحكم الإمبراطوريّة فيها لصالح القيم الديمقراطيّة الغربيّة ودمجت بعضاً من قيمها المحليّة بشكل ذكي في القيم الجديدة كالإحساس العالي بالمسؤولية تجاه الأحداث المؤسفة التي تحصل في ظل أحد الوزراء أو المسؤولين الحكوميين. كما أن أحد المصادر الرئيسية لإعجاب المجتمعات الغربيّة، وقادتهم بالنتيجة، بإسرائيل ينبع من كونها تشكّل مثالاً على الدولة الديمقراطيّة الحديثة رغم وجودها وسط بحر من المجتمعات المعادية التي لم تستطع إنتاج نظام ديمقراطي رغم العمر الطويل لدولهم.

يميل الكثيرون إلى إعادة الدوافع الغربية والأمريكية في إقامة التحالفات إلى المصالح الاقتصادية فقط، هذا صحيح إلى حد كبير في حالة الدول الخليجية مثلاً، فهي من أكثر الأنظمة رجعيّة في العالم ورغم ذلك تجد دعماً غربيّاً كبيراً لها، ولكن هذا التفسير لا يمكن أن يصبح قاعدة أكثر ثبوتاً من التوافق القيمي كدافع لإقامة تحالفات استراتيجية. فجميع الدول الديمقراطيّة في العالم (إن استثنينا الديمقراطيّين بالاسم ككوريا الشمالية) هي حليفة للغرب، في حين أنه ليست جميع الدول الغنية بالنفط حليفة للغرب، كفنزويلا مثلاً. أضف إلى ذلك أن العلاقات (المفيدة اقتصادياً) مع دول الخليج تواجه الكثير من الاحتجاجات في الأوساط السياسية والثقافية الغربية، في حين أن التحالف المكلف مادياً وبشرياً مع اليابان وكوريا الجنوبية وإسرائيل لا تواجه مثل هذه الاحتجاجات.

خاض الكرد تجارب كثيرة عبر تاريخهم تشبه المقاومة البطوليّة في كوباني، إلا أنّ نصيب هذه المقاومات في الغالب الأعم كانت خسارات كبرى سجّلت في التاريخ، وفي السنوات الأخيرة أيضاً أمثلة كثيرة على عدم قدرة الكرد العسكريّة الذاتيّة في روجآفا على تحقيق انتصارات فعليّة أو حتى منع خسارات مكلفة دون الدعم الغربي، وإن كان يكتب للمقاومة أنها تتسبّب بخسائر كبيرة للخصم. وما يجمع الخسائر الكبرى في التاريخ الكردي الحديث ليس أنّها كانت «غدراً غربيّاً بنا»، بما ينطوي عليه هذا الاتهام من افتراض دعم غربي سابق على الغدر، بل كانت بالضبط بسبب غياب الدعم الغربي حصراً، بل ودخول الكرد في مواجهات لا طائل منها مع الغرب.

ولكن إن لم يكن الكرد، في سوريا على الأقل، يملكون مخزوناً استراتيجيّاً من النفط المسيّر لعجلة الاقتصاد في العالم، وإن لم يكونوا يملكون مستوى كبيراً من التوافق القيمي مع الغرب، فلماذا إذاً يتوقّعون من الأخير أن يعقد معهم تحالفاً استراتيجياً يتجاوز نصف المسافة إلى تحقيق الحريّة للشعب الكردي؟

Leave a Reply