هل تُفتح صفحة جديدة مع المدنيين المحررين من داعش؟

هل تُفتح صفحة جديدة مع المدنيين المحررين من داعش؟

755
0
شاركها

غولاي ظاظا

لدى متابعة مقاطع فيديو لعائلات هاربة من تحت حكم داعش، تنتاب المرء مشاعر مختلطة، فالجميع يشكر القوات العراقية أو قوات سوريا الديمقراطية على تخليصهم من داعش. ولكن خلف وحدة المشاعر المعلنة اليوم ثمة مشاعر أخرى يمكن تقديرها حين كان هؤلاء تحت حكم داعش على مدى أكثر من ثلاث سنوات قد تكون مناقضة لما نسمعه اليوم. فيمكن بكل سهولة تكذيب هؤلاء الذين يظهرون حماسهم للقوات الجديدة المحررة. مثلاً، يطرح البعض سؤالاً: ترى ما الذي قاله هذا الشخص نفسه حين سيطرت داعش على منطقته؟ لو لم يرحب بهم كما يرحب الآن بالمحررين، هل كان بإمكانه أن يكون على قيد الحياة الآن؟

بالطبع هذا السؤال مشروع، وكذلك احتمال الولاء السابق. لكن، وبالضبط لأنه ما كان ممكناً له أن يكون على قيد الحياة في ظل داعش لو أنه ثار ضدها، فإن محاسبته على ما كان عليه لا معنى لها أخلاقياً وسياسياً، خصوصاً أن مقاطع الإعدام والصلب التي تجري يومياً في الساحات العامة في مناطق داعش تخبرنا بما يمكن أن يحصل لمن يعارض التنظيم في مناطق سيطرته. كما يسجل تمرد عشيرة الشعيطات على داعش مثالاً آخر لثمن أي ثورة فاشلة من الداخل، وهو ما حدث مع عشيرة البو نمر في العراق أيضاً. لذا فحين تكون الهزيمة مؤكدة يكون هدف غالبية السكان المدنيين البقاء في منازلهم وبقاء عائلاتهم متماسكة إلى أن يطرأ تحول من الخارج أو تنضج الظروف الداخلية للتخلص من التنظيم. الواقع أن تجرية المناطق المحررة تؤكد أن الولاء السياسي لقسم كبير من السكان الذين كانوا تحت حكم داعش وسيلة للبقاء الاجتماعي وليس دائماً لترسيخ سلطة لأهداف سياسية.

وإلى جانب هذه الفئة التي لا مشكلة لها مع أي سلطة سياسية تدعها تعيش، هناك عوائل عناصر تنظيم داعش. الحذر الأمني مبرر من هؤلاء. لكن هذا لا يعني إعاقة اندماجهم في المجتمع من جديد. باعتبار أننا نتحدث عن مجتمع فيه تقاليد اجتماعية راسخة، ومن المفهوم أن المرأة ليست دائما كياناً مستقلاً عن خيارات الزوج. هذا وضع منتشر في كافة المجتمعات بدرجة أو بأخرى. بالتالي، فإن احتجاز عوائل تنظيم داعش قد يبدو مبرراً من الناحية الأمنية لفترة مؤقتة، لكن عزلهم بشكل دائم لا يساهم في إزالة آثار التنظيم.

والأمر الآخر أن المتورطين في ممارسات داعش بحق السكان لن يكون بإمكانهم التواري خلف مشاعر الحفاوة في استقبال القوات المحررة. فالأفراد المتضررون من سلوكياتهم حين كانوا تحت حكم داعش سيشكلون مصدراً اجتماعياً لكشف التهديدات الخفية التي يشكلها هؤلاء، وفرصة لطي صفحة التنظيم كخيار لا يزال يداعب خيال أقلية من الناس. وسيشكل انعدام الرعاية لكثير من أفراد عائلات عناصر داعش، الذين قتل غالبيتهم، بؤرة لظواهر اجتماعية سلبية. الواقع أن عدد الأيتام زاد بشكل كبير في المناطق المحررة حديثاً، وبالتأكيد ليس كل القتلى هم مدنيون قضوا نتيجة قصف خطأ، فعدد كبير من الأيتام أبناء لمقاتلي داعش، وهذه من الأمور التي لا فائدة من التستر عليها. ولا يعقل أن تتم محاسبة طفل يتيم لا يبلغ تسع سنوات على أفعال والده.

يبقى الغريب، وما لا يمكن التسامح معه بأي شكل، حالات نادرة مثل  أحلام محسن علي، التي كانت تعد أخطر نساء داعش في الموصل واعتقلت في 10 تموز بين قافلة من النازحين. فبحسب اعترافاتها التي نقلها ضابط أمني عراقي للإعلام، تمسكت أحلام بفكرها المتطرف وما زالت تمجد داعش حتى أثناء التحقيق. مثل هذه الحالات ستتكرر في الرقة أيضاً، هذه المدينة المعروفة أنها تضم أعداداً من النساء تفوق الرجال بحسب تقديرات أولية.

مع اقتراب مدينة الرقة من التحرير، فإن المبادرات التي شهدتها المناطق المحررة من التنظيم تشكل نموذجاً لإعادة دمج المحررين حديثاً في الحياة العامة. فمبادرات إطلاق سراح عشرات المشتبه بهم من قبل قوات سوريا الديمقراطية بعد وساطات عشائر ووجهاء يعيد تفعيل العلاقة بين هذه القوات والأهالي في هذه المناطق بعد التحرير. والمأمول أن يتم توسيع هذه المبادرات لتعطي نموذجاً مختلفاً عن ما بعد الانتصارات في العراق.

زوال داعش في سوريا فرصة لإقامة نظام يقوم على العدل والقانون والحريات، وليس إلى الثأر والانتقام من المحيط الاجتماعي لداعش. ويتوقف على القوى المحررة إجابة السكان عن السؤال التالي: هل الانتصار يسجّل على السكان أم على التنظيم؟ وإن كانت بعض القصص التي يرويها المدنيون، وخاصة النساء، فيها بعض المبالغة أحياناً من حيث الحفاوة بالمحررين، إلا أنها يمكن أن تكون طريقة مقبولة لإتاحة الفرصة لهؤلاء بفصل أنفسهم عن داعش.

بدون تعليق

اترك رد