شاركها

حمزة همكي

كانت حناجر المتظاهرين تصدح بشعارات تنادي بالحرية أمام جامع قاسمو في مدينة قامشلو، أكبر مدن الكرد في سوريا، في ربيع كان للكرد كحلم على وشك التحقق، عندما كانت أحزاب الحركة السياسية الكردية تجتمع بصورة مكثفة في الأشهر الأولى لاندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011 للتعامل بإيجاب مع دعوة الرئيس السوري بشار الأسد للقاء به، هذا اللقاء الذي ربما ما كان ليتوافق مع ما كان ينادي به المتظاهرون أيام الجمع بعد انتهاء الصلاة في ذلك المسجد الواقع على الطريق المفضي إلى مدينة عامودا الشهيرة.

وفي أوائل شهر أيار/مايو من العام ذاته اجتمع ممثلون عن نحو أحد عشر حزباً كردياً، بالإضافة إلى بعض الفعاليات الشبابية، في قرية عرب شاه بمنطقة آليان شرقي قامشلو بنحو 45 كم، وهو الاجتماع الأول من نوعه للأحزاب الكردية بعد دخول سوريا مرحلة جديدة، دعت إليه مجموعة من الكتاب والشعراء في تلك المنطقة كان من بينهم الكاتب الراحل محمد خليل كالو والشاعر محمد شريف برهك و الكاتب دلكش مرعي، وكانوا قد أطلقوا على مجموعتهم اسم «Koçka Cegerxwîn»، ليتلوه اجتماع آخر في أواسط الشهر نفسه بحي الهلالية الذي توصلت فيه الأحزاب إلى مبادرة تهدف إلى محاورة النظام السوري والتنسيق للذهاب إلى دمشق في محاولة لاحتواء الوضع بين النظام والمعارضة، والذي بدا واضحاً اتجاهه نحو التأزم يوماً بعد يوم، وفقاً لمصادر حزبية ومستقلة حضرت الاجتماع، و أضافت تلك المصادر أن «المبادرة بقيت فقاعة إعلامية، ولم تلقى أي اهتمام حتى من قبل تلك الأحزاب».

وأثير حول هذه المبادرة جدلٌ واسعٌ في أوساط المعارضين السوريين ككل، وحتى لدى الكرد أنفسهم بداية الثورة السورية التي تحولت فيما بعد إلى <جحيم سوري>.

وفي تلك الأثناء، وتحديداً في بداية حزيران 2011، أرسل الرئيس السوري بشار الأسد دعوة إلى الأحزاب الكردية للقاء به في دمشق والتي قبلتها الأحزاب بداية الأمر  ثم شاع بعد ذلك أن الحركة الكردية رفضت اللقاء مع الأسد, ليصبح هذا الرفض محل ترحيب من البعض، ومحل انتقادات لاذعة من البعض الآخر، في حين بقيت الأسباب الحقيقية للرفض محل تساؤلات كبيرة لدى المرحبين والمنتقدين معاً، وهي الأسباب التي بقيت طي الكتمان إلى الآن.

تلقي الدعوة للاجتماع مع رئيس الجمهورية

في المرة الأولى تحدثوا مع الأستاذ حميد وقالوا له إن الرئيس يريد أن يلتقي بك لكنه رفض الدعوة وقال ينبغي أن تشمل الدعوة جميع الأحزاب.

في العام 2014 صرح سكرتير الديمقراطي الكردستاني سعود ملا في حوار مطول مع صحيفة Buyerpress حول الأشخاص الذين أتت الدعوة عن طريقهم وكانوا وسطاء بين الأحزاب الكردية والنظام السوري حينها، قائلاً إن «د. آزاد أحمد علي، ود. طاهر حنيفة، ود. ياسر بشار, في البداية التقى المحافظ معهم وعن طريقهم طلب من الحركة الكردية أن تجتمع للحوار مع رئيس الجمهورية، أي أنهم أصبحوا وسطاء بيننا وبين النظام، وعندما قررنا ذلك كان الأحد عشر حزباً حاضراً مع (PYD)، بعد ذلك بدأت النقاشات بين الأحزاب نفسها وتم تحديد موعد اللقاء وجاءت الطائرة، لكن الحركة رأت بأننا جزء من الثورة السورية».

هذه الأسماء لم يذكرها أحدٌ من القيادات الذين تواصلنا معهم، أو الذين التقينا بهم بشكل مباشر، في وقت أكد فيه سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي، عبد الحميد حاج درويش، في لقاءه مع روك أونلاين بمقر الحزب بمدينة قامشلو أنه تلقى دعوة من محافظ الحسكة حينذاك  «للقاء بالرئيس بشار الأسد، إلا أنني قلت له إذا تم تشكيل وفد يضم كافة الأحزاب الكردية وشملتهم الدعوة فإني سأذهب للقاء به ضمن الوفد، أما إذا لم توافق الأحزاب الكردية على الذهاب فلن أذهب لوحدي». وهو ما أكده أيضاً القيادي في الحزب، أحمد سليمان.

وأضاف سليمان: «في المرة الأولى تحدثوا مع الأستاذ حميد وقالوا له إن الرئيس يريد أن يلتقي بك لكنه رفض الدعوة وقال ينبغي أن تشمل الدعوة جميع الأحزاب. وفعلاً استجابوا لطلبه في المرة الثانية وقالوا إن الدعوة للحركة السياسية الكردية كلها مع ضم بعض الشخصيات المستقلة إن أمكن».

من جهته أيضاً، تلقى سكرتير البارتي، نصر الدين إبراهيم، دعوة موجهة من خلاله إلى الأحزاب الكردية للقاء الأسد، ويشرح قائلاً: «تحدث معي مسؤول الملف الكردي في القصر الجمهوري عبر الهاتف وطلب مني إبلاغ الأحزاب الكردية بدعوة السيد رئيس الجمهورية، فدعوت الأحزاب إلى اجتماع استثنائي لإبلاغهم. دارت النقاشات حول الموضوع ووافق جميع ممثلي الأحزاب على الدعوة بشكل مبدئي، وفي اليوم التالي طلب البعض منهم تأجيل الموافقة على اللقاء ليومين أو ثلاثة. وتم تكليفي من الاجتماع بإبلاغ المسؤول بقرار التأجيل».

وأضاف: «فعلاً قمت بالاتصال معه وأبلغته بقرار التأجيل. فقال: لدينا معلومات كافية عما جرى في الاجتماعات وهنالك أحزاب رئيسية أحبطت فكرة الدعوة، وأخبرني بعدم قبوله لفكرة التأجيل».

رد الفعل الأولي للوسط السياسي الكردي تجاه الدعوة

من حيث المبدأ نحن موافقون على اللقاء، ولكن طلبنا مهلة يومين أو ثلاث حتى يتم التشاور بين قيادات الأحزاب الكردية

تلقفت وسائل إعلام عربية وعالمية خبر دعوة بشار الأسد للأحزاب الكردية بسرعة، ونقلت حينها عن مصادر كردية سورية أن الرئيس السوري دعا قادة 12 حزباً كردياً للاجتماع به لبحث الأوضاع في البلاد.

و نقلت يونايتد برس إنترناشيونال أوائل حزيران/ يونيو 2011 عن القيادي في حزب يكيتي الكردي فؤاد عليكو قوله إن محافظ الحسكة أبلغ بعض قادة الأحزاب الكردية أن اجتماعاً مع الأسد سيعقد خلال ذات الشهر، وذلك في إطار اللقاءات التي يعقدها الرئيس السوري مع أطياف المجتمع كافة.

وأضاف عليكو «من حيث المبدأ نحن موافقون على اللقاء، ولكن طلبنا مهلة يومين أو ثلاث حتى يتم التشاور بين قيادات الأحزاب الكردية»، مؤكداً أن الدعوة وجهت إلى 12 حزباً كردياً.

وقال القيادي في حزب يكيتي الكردي إن الأحزاب الكردية تقف على مسافة واحدة من المعارضة والنظام، مؤكداً أن هذه الأحزاب طرحت مبادرة تتضمن تجنب اللجوء إلى القتل والعنف، والسماح بالاحتجاج السلمي والحوار الوطني الشامل بين التيارات السياسية في سوريا.

كما ساقت صحيفة الشرق الأوسط خبراً في الخامس من الشهر ذاته أفادت فيه أن الأحزاب الكردية قبلت دعوة الأسد العاجلة على مضض. وأشارت الصحيفة إلى أن الدعوة تلقتها الأحزاب عن طريق القنوات الحكومية للقاء بالرئيس السوري بشار الأسد في دمشق.

وبعد عدة لقاءات بين أحزاب الحركة الكردية في سوريا، جاء قرارها أن يمثل كل حزب المسؤول الأول فيه (الأمين العام أو رئيس الحزب)، والأحزاب هي: الحزب اليساري الكردي، والحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (جناح عبدالحكيم بشار)، والحزب الديمقراطي التقدمي الكردي، وحزب يكيتي الكردي، وحزب الاتحاد الديمقراطي، وحزب آزادي الكردي، والحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (جناح نصرالدين إبراهيم)، والحزب الوطني الديمقراطي الكردي، وحزب المساواة الديمقراطي الكردي، وحزب الوحدة الديمقراطي الكردي، والحزب الديمقراطي الكردي السوري (جناح جمال شيخ باقي).

أما تيار المستقبل الكردي فكان قد جمّد عضويته في تلك الآونة في إطار أحزاب الحركة الوطنية الكردية، وكان، إلى جانب تنسيقيات المعارضة في المناطق الكردية، من أبرز الرافضين للقاء.

مبادرة الهلالية واجتماعات مكثفة للموافقة على اللقاء مع الأسد

المحضر رقم (9): توزيع العمل بشأن طرح مبادرة أحزاب الحركة الكردية على القوى الوطنية والديمقراطية. والنقطة الثانية كانت حول اللقاء المفترض مع «السيد رئيس الجمهورية»

تمكنا من الحصول على محاضر للاجتماعات من مصدر حزبي مسؤول بشأن الدعوة التي أرسلها بشار الأسد عبر قنوات أمنية وكيف تعاملت أحزاب الحركة السياسية الكردية مع الدعوة في اجتماعاتها أثناء المبادرة التي طرحت في اجتماع الهلالية بخصوص المحاولة في محاورة النظام وتقريب وجهات النظر بينه وبين المعارضة ثم تلقي الأحزاب بعد ذلك دعوة مباشرة عبر التنسيق مع بعض قيادات تلك الأحزاب وعلى أعلى المستويات في الذهاب إلى دمشق.

وفي التاسع والعشرين من أيار/ مايو 2011 اجتمع ممثلون عن نحو اثني عشر حزباً كردياً، وفقاً للمحضر الذي حمل الرقم (9) وتركز جدول العمل على نقطتين: توزيع العمل بشأن طرح مبادرة أحزاب الحركة الكردية على القوى الوطنية والديمقراطية (أي مبادرة اجتماع الهلالية). والنقطة الثانية كانت حول اللقاء المفترض مع «السيد رئيس الجمهورية» (الجزء التنفيذي لمبادرة الهلالية).

ويوضح المحضر بالأسماء توزيع المهام والعمل على ممثلي الأحزاب التي شاركت في الاجتماع وورد في نهايته اقتراح قدمه ممثل الحزب الديمقراطي الكردي السوري جمال شيخ باقي كالتالي: «اقترح الحزب الديمقراطي الكردي السوري على الاجتماع ما يلي: تشكيل لجنة من أحزاب الحركة الكردية للحوار مع السلطة ويتوج عمل هذه اللجنة في لقاء مع السيد رئيس الجمهورية. تقرر عودة الأطراف إلى مرجعياتها الحزبية لدراسة واتخاذ الموقف من هذا الاقتراح».

وما يثير التساؤل هو بما أن الاجتماع كان لمناقشة مسألة الحوار. فما الجدوى من إقحام اقتراح شيخ باقي في المحضر؟

وتشير المعلومات التي حصلنا عليه من قيادات حزبية فضلت عدم نشر أسماءها أنه «كانت غالبية الأحزاب تحاول التنصل من مبادرة الهلالية، فجاء هذا الاجتماع بناء على رغبة البعض الآخر ومحاولة تنفيذ المبادرة، فتم الاتفاق مع جمال شيخ باقي لتقديم الاقتراح مجدداً للهدف ذاته، بمعنى أن الاجتماع تأسس بناء على الاقتراح، وتم وضع جدول العمل بعد الانتهاء منه، لذا تم إقحام الاقتراح في نهايته للتوثيق».

المحضر رقم 10 أيضاً، والموثق بتاريخ 3/6/2011، جاء جدول عمله بصيغة تؤكد بأن النقاش سيكون على مسألة الدعوة التي تلقتها بعض القيادات عبر قنوات معينة تابعة للنظام.

الموافقة على دعوة اللقاء بدءاً من الأربعاء القادم. وانضمام الرفاق في ازادي مرتبط بموافقة مرجعيتهم. على أن يبلغ ازادي إدارة الاجتماع ضمن المهلة المحددة

ويؤكد المحضر من خلال نص القرار الذي توصل إليه ممثلو الأحزاب على «الموافقة على دعوة اللقاء بدءاً من الأربعاء القادم. وانضمام الرفاق في ازادي مرتبط بموافقة مرجعيتهم. على أن يبلغ ازادي إدارة الاجتماع ضمن المهلة المحددة».

ويبدو أن الأحزاب الكردية كثفت من اجتماعاتها خلال تلك الفترة لبحث مسألة اللقاء مع الأسد, ومن خلال التدقيق في تواريخ المحضرين السابقين والمحضر الثالث المؤرخ بـ 5/6/2011 والذي يحمل الرقم (11) يتبين أن الاجتماع الذي نتج عنه المحضر رقم (10) قد عقد يوم الجمعة وتقرر فيه الموافقة على الدعوة بدءً من يوم الأربعاء، بيد أن الأحزاب لم تنتظر على ما يبدو إلى ذلك اليوم، فقررت الاجتماع في يوم الأحد وهو تاريخ المحضر رقم (11) والذي تم تقييد القرار النهائي فيه بقبول الدعوة وإبلاغ المعارضة بذلك وتكليف القيادي الراحل عزيز داود بتحضير مسودة كلمة باسم الأحزاب في اليوم التالي 6/6/2011 بعد هذا الاجتماع مباشرةً ليتم المصادقة عليها من قبل الجميع بهدف قراءتها أثناء اللقاء مع الرئيس السوري.

حيث نص المحضر في مقرراته على: «الموافقة على تشكيل لجنة تنسيق لقوى المعارضة الوطنية السورية تضم ممثلي: إعلان دمشق – التجمع الوطني الديمقراطي – أحزاب الحركة الكردية – تيم – شخصيات مستقلة. والعمل على تشكيل هذه اللجنة في أقرب فرصة، ويكلف كل من: عزيز – آلي – مسلم – بشار – محمد موسى – جمال بتنفيذ هذا القرار وإعلام قوى المعارضة بقبول أحزاب الحركة الكردية اللقاء مع السيد رئيس الجمهورية».

ونص القرار الثالث على: «إلقاء كلمة باسم وفد أحزاب الحركة الكردية في اللقاء المرتقب مع السيد رئيس الجمهورية ويكلف الرفيق عزيز بإعداد مسودة الكلمة ويتم إقرارها في الاثنين بتاريخ 6/6/2011 الساعة الثامنة مساءً».

الرفض المفاجئ للقاء

من يذهب إلى الحوار المرتقب من قادة الأحزاب الكردية «لا يمثلون سوى أنفسهم»، وأن قواعد أحزابهم والشارع الكردي «سوف يلفظهم»

وعلى الرغم من أن الاجتماعات الأربعة (مبادرة الهلالية، والمحاضر 9-10-11) كانت جميعها تصب في صالح الموافقة على اللقاء مع الأسد, بل وطرح مبادرة بهذا الصدد على قوى المعارضة، إلا إنه، وبعد 3 أيام من الاجتماع الأخير الذي صادقت فيه الأحزاب الكردية على الموافقة على اللقاء مع الأسد, ظهرت تصريحات متعددة عن الأحزاب الكردية حول رفضها عقد هذا اللقاء.

وتميل معظم التحليلات لأسباب رفض الأحزاب الكردية اللقاء مع الأسد إلى ما تعرضت له تلك الأحزاب حينها من هجوم حاد واتهامات بالعمالة للسلطة إثر ظهور بوادر موافقتها على إجراء هذا اللقاء.

إذ أصدرت في تلك الفترة مجموعة من الشباب الكرد النشطاء في إعلان نوروز بياناً أعلنوا من خلاله أن كل من يذهب إلى الحوار المرتقب من قادة الأحزاب الكردية «لا يمثلون سوى أنفسهم»، وأن قواعد أحزابهم والشارع الكردي «سوف يلفظهم»، على حد وصفها.

وتعهدت تلك المجموعة من خلال بيانها بـ «النضال السلمي الدائم في سبيل حرية وديمقراطية سورية»، وشددوا على أن مطالبهم كشباب كرد «لا تختلف عن مطالب أي سوري ثائر وهي: تنحي الرئيس وأركان نظامه عن الحكم بشكل كامل»، لقناعتهم بأن النظام السوري «غير قابل للإصلاح ولا للحوار». وناشدوا كافة القيادات في الأحزاب الكردية التي قبلت اللقاء مع الأسد أن تعلن عن رفضها لهذا الحوار الذي رأت أنه «يراد به الإساءة لتاريخ الشعب الكردي السوري، وإهداراً لدماء الشهداء، وبث الفتنة بين مكونات الشعب السوري».

وإذ يستذكر عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي التقدمي، أحمد سليمان، تلك الفترة، يقول: «دارت النقاشات في اجتماعين أو ثلاثة، والتي عقدت في مكتب التقدمي، بين مؤيد للذهاب وبين معارض، وكنا كحزب التقدمي نتناقش فيما بيننا أيضاً بين مؤيد ومعارض، لكن غالبية الآراء كانت تؤيد الذهاب لأنه مهما حققنا من مكاسب للكرد عند النظام سيكون أفضل في حال لم نذهب. ثم قررت أحزاب الحركة الكردية عدم الذهاب على الرغم من بقاء تأييد البعض للفكرة».

برهم صالح كان في جولة إلى أمريكا وقد حضر هو الآخر إلى دمشق. وسيقوم بإيصال رسالة إلى النظام بخصوص وضع الكرد في سوريا ومحاولة عدم الصدام معهم

ويضيف سليمان: «بعد رفض اللقاء بفترة التقينا حمي حاج محمود في دمشق، والذي كان في زيارة لسوريا، وقال لنا بأنه أتى إلى دمشق وسيلتقي بالرئيس، وقال إن برهم صالح كان في جولة إلى أمريكا وقد حضر هو الآخر إلى دمشق. وسيقوم بإيصال رسالة إلى النظام بخصوص وضع الكرد في سوريا ومحاولة عدم الصدام معهم. ويبدو أن أمريكا أيضاً كانت لا تريد أن يتصادم النظام مع الكرد».

وفي التاسع من حزيران/يونيو 2011، أي بعد 4 أيام من موافقة الأحزاب الكردية على اللقاء مع الأسد وإبلاغ قرارها هذا للمعارضة السورية بموجب المحضر رقم (11)، أعلنت ثلاثة أحزاب كردية سورية من لجنة التنسيق عن اعتذارها تلبية دعوة اللقاء مع الأسد, وشددت على ضرورة وقف القتل والعنف والسماح للناس بالاحتجاج السلمي دون تدخل الأجهزة الأمنية كشرط أساسي لإنجاح أي لقاء وطني لمعالجة الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد. ونوّهت بضرورة أن يكون الحوار عاماً وشاملاً لكل مكونات المعارضة السياسية ودون إقصاء لأحد.

وفي بيان للجنة التنسيق الكردية، والتي كانت تضم حزب آزادي الكردي، تيار المستقبل الكردي، وحزب يكيتي، أكّدت فيه أن هذه الأحزاب لا ترفض مبدأ الحوار «لأنه لغة العصر والاحتكام إلى العقل والحكمة في معالجة القضايا والمسائل المختلف عليها»، ولكنها «ترى أنه لا يمكن لأي لقاء أو حوار أن يكون مثمراً ونزيف الدم مستمر في المدن والبلدات السورية، فوقف القتل والعنف وتحت أية ذريعة كانت والسماح للناس بالاحتجاج السلمي والتعبير عن مطالبهم بحرية دون تدخل من الأجهزة الأمنية، برأينا تعتبر مقدمة ضرورية وأساسية لإنجاح أي لقاء وطني لمعالجة الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد».

في هذه الأثناء، وبعد أيام قليلة، أعلنت الأحزاب الكردية رفضها لدعوة الرئيس السوري، وأكدت هذه الأحزاب من جهتها أنها جزء أساسي من الانتفاضة السورية. ليغلق الملف حينها ويصبح طي النسيان في ظل تسارع الأحداث وتأزم الوضع العام إلى حد التخمة، مع تحميل مسؤولية الرفض على التنسيقيات الشبابية التي كانت معترضة بشدة على اللقاء.

دور الأمن السوري في رفض الأحزاب الكردية اللقاء مع الأسد

الأجهزة الأمنية في مدينة قامشلو حينذاك، والتي كانت محسوبة على التيار السني في النظام، لم تكن ترغب في انفتاح النظام «العلوي» على الكرد

إلا أنه وفقاً لعدة شهادات متقاطعة حصلنا عليها من قياديي الحركة الكردية، يبدو أن اعتراض المجموعات الشبابية على اللقاء مع الأسد لم يكن السبب الوحيد لرفض الأحزاب الكردية هذا اللقاء، بل ركزت تلك الشهادات على وجود دور لأجهزة أمن النظام في دفع الحركة الكردية على الرفض، فما الذي طرأ على الوضع في الأيام القليلة التي تلت تاريخ هذه الاجتماعات حتى أعلن قرار الرفض بصورة جازمة وألغيت مقررات تلك الاجتماعات فجأة؟

يتهم قيادي في الحركة السياسية الكردية، اشترط عدم ذكر اسمه، الحزب الديمقراطي الكردستاني- سوريا (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا جناح عبد الحكيم بشار سابقاً)، بالرضوخ لطلب الأجهزة الأمنية في مدينة قامشلو حينذاك، والتي كانت محسوبة على التيار السني في النظام، ولم تكن ترغب في انفتاح النظام «العلوي» على الكرد، لذا طلبت من قيادة الحزب إفشال الموضوع ورفض الدعوة بحكم أن الحزب طرف أساسي ومن أكبر الأحزاب الكردية شعبية آنذاك، وفقاً لما قاله القيادي لروك أونلاين.

ويتهم مصدر آخر (مسؤول حزبي) جناح عبد الحكيم بشار و الحزب التقدمي الكردي بقيادة عبد الحميد حاج درويش بالاتفاق معاً مع تلك الجهات الأمنية وإجهاض قرار الذهاب للقاء ببشار الأسد.

بيد أن القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني- سوريا عبد الحكيم بشار نفى هذه الاتهامات في حديث لروك أونلاين قائلاً: «فليقولوا ما يشاؤون، أنا من بين كل القيادات محال لمحكمة الإرهاب ومحجوز على كل ممتلكاتي وهم من يمرون بشكل يومي على الحواجز الأمنية».

وقال: «أنا خرجت من سوريا بناء على رسالة سرية من مدير منطقة القامشلي الذي انشق فيما بعد، بأنه كان هناك قرار باغتيالي من قبل اللجنة الأمنية». مشدداً: « حتى لو أتت مثل هذه الدعوة في الوقت الراهن فإني سأرفضها، لأن هذا النظام أثبت أنه نظام قاتل».

جهات أمنية كانت سبباً في إحباط مسألة الدعوة. لأن بعض الأحزاب الفاعلة كانت تربطها علاقات مع تلك الجهات التي ضغطت عليها لعدم الذهاب

رغم ذلك، تعتبر قيادات حزبية أخرى أن مسألة التدخل الأمني وفرض الأمر على بعض الأحزاب كان أحد الأسباب الرئيسية في عدول الأحزاب عن قرار الذهاب إلى دمشق بعد أيام من الإجماع عليه.

وهو ما أكده عضو المكتب السياسي في الحزب التقدمي أحمد سليمان لروك أونلاين بالقول: «كانت هنالك جهات أمنية في مدينة قامشلو لم تكن ترغب أن يذهب ممثلو الأحزاب الكردية إلى دمشق، لذا فقد تبدل موقف ممثلي بعض الأحزاب بين ليلة وضحاها. لن أكشف أسماء ممثلي تلك الأحزاب في الوقت الراهن لكن الأمر كان على هذه الصورة». نافياً اتهام حزب التقدمي بالعلاقة مع الجهات الأمنية لرفض الدعوة واستدرك: «لكن كان لدينا تردد في الموقف حيال الدعوة بين الذهاب وعدمه».

وأوضح: «تلك الجهات الأمنية لم تكن ترغب في أن يكون هناك علاقة بين الكرد والنظام، فقد كانت ترى الأمور من منظور طائفي، لذا غلبت مصالحها الشخصية على مصلحة الدولة السورية ككل».

أيضاً توجهنا بذات السؤال إلى سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) نصر الدين إبراهيم حيث قال: «باعتقادي أن جهات أمنية كانت سبباً في إحباط مسألة الدعوة. لأن بعض الأحزاب الفاعلة كانت تربطها علاقات مع تلك الجهات التي ضغطت عليها لعدم الذهاب».

وشرح إبراهيم المسألة قائلاً: «الجهات التي ضغطت على تلك الأحزاب كانت تتخوف من تقلص نفوذها ومصالحها لأنها كانت دائماً تعتاش على أساس تضخيم الخطر الكردي أمام النظام في دمشق، فإذا حصل هناك تفاهم بين دمشق والكرد فإن ذلك سيضر بمصالحها».

موقف حزب الاتحاد الديمقراطي

تم رمي ممثلي النظام خارج مناطق الكرد كما حدث في كوباني في التاسع عشر من تموز/ يوليو 2012، وحدثت اشتباكات كثيرة في تلك الأثناء بين الشعب وقوات النظام في ديريك وكرزيرو وعفرين ومناطق أخرى

وبعد أشهر من رفض الأحزاب الكردية اللقاء مع الأسد, بدت بوادر تفاهمٍ بين حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ونظام الأسد تلوح في الأفق، ورويداً رويداً باتت تنظيمات الحزب المختلفة تسيطر على مواقع مدنية وعسكرية ثم مدن بأكملها. أحياناً كانت تلك السيطرة ترافقها بعض الاشتباكات الخفيفة، وأحياناً أخرى كانت أجهزة النظام تنسحب بشكل تلقائي لتحل محلها كوادر الحزب، وفقاً لما يقوله المناوئون لحزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية في كثير من المناسبات.

وفي تقرير لمجموعة الأزمات الدولية أصدرته في الرابع من أيار/ مايو 2017 جاء فيه أن اتفاقاً جرى بين قيادة حزب العمال الكردستاني في قنديل والنظام الإيراني في العام 2011 انسحبت بموجبه قوات النظام بشكل جزئي من مناطق الكرد في سوريا في تموز/ يوليو 2012.

الأمر الذي نفاه القيادي في حركة المجتمع الديمقراطي عبد السلام أحمد في حديث لروك أونلاين: «لا أرى صحة لهذا الرأي الذي يقول بأن الاتفاق كان بين حزب العمال الكردستاني ونظام إيران لأنه في حقيقة الأمر أن النظام أراد التخلص من مشكلة وجدها أكبر من القضية الكردية في سوريا في ظل اتساع رقعة الصراع أمامه في البلاد. فوجد من مصلحته على الأقل عدم الصدام مع الشعب الكردي».

وقال: «علماً أنه تم رمي ممثلي النظام خارج مناطق الكرد كما حدث في كوباني في التاسع عشر من تموز/ يوليو 2012، وحدثت اشتباكات كثيرة في تلك الأثناء بين الشعب وقوات النظام في ديريك وكرزيرو وعفرين ومناطق أخرى، وسقط حينها شهداء من الكرد. وكما رأيتم فقد حدثت اشتباكات بين قوات الإدارة الذاتية وقوات النظام بالأسلحة الثقيلة واستخدم النظام في مدينة الحسكة الطيران الحربي. ثم إنه من المعلوم أن قوات النظام التي كانت موجودة في المناطق الكردية كانت عبارة عن مراكز أمنية وشرطة».

ندم متأخر على رفض اللقاء

في أواخر نيسان/أبريل 2015، وبعد اتساع سيطرة الاتحاد الديمقراطي على المناطق الكردية وتشكيل قوة عسكرية، أعلن سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي عبد الحميد حاج درويش، ولأول مرة، عن رغبته في إيجاد قنوات للحوار مع النظام السوري. جاء تصريحه هذا في إطار ندوة أقامها في مقر حزب زحمتكيشاني كردستان في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق.

ثم تتالت تصريحات حاج درويش بهذا الخصوص معرباً عن ندمهم في عدم قبول الدعوة التي تلقتها مجموع الأحزاب الكردية في العام 2011.

وكصحفي قابلت معظم قيادات الأحزاب الكردية خلال السنوات السابقة، وإلى الآن، بشكل متكرر مع الكثيرين منهم، لاحظت وبصورة واضحة عبر أحاديث البعض منهم حجم الندم جراء عدم قبول دعوة النظام، ناهيك عن إلصاق التهم وإلقاء اللوم كل طرف على الآخر بخصوص رفض الدعوة، وهو ندم مفهوم إلى حد كبير جراء ما وصل إليه حال تلك الأحزاب اليوم، لأن مسألة العلاقة مع النظام، أو التواصل معه بصورة أو بأخرى، أو قطع العلاقة معه بشكل نهائي، هي التي قررت فيما بعد، وإلى هذه اللحظة، مصير كل حزب ودوره السياسي على الساحة الكردية.

المحضر رقم (9)، تاريخ: 29/5/2011

 

 

المحضر رقم (10) تاريخ 3/6/2011

 

 

المحضر رقم (11) تاريخ 5/6/2011

بدون تعليق

اترك رد