الرئيسية رأي أوجه العنصرية في إنكار المأساة الإيزيدية بشنكال

أوجه العنصرية في إنكار المأساة الإيزيدية بشنكال

1226
مشاركة

داريوس الدرويش

رغم ما تعرّض له الإيزيديّون من هجوم دموي استهدف قراهم ومناطقهم في جبال شنكال، وما أسفر عنه من مجازر إبادة بحقّهم أعملت بالرجال قتلاً وحشياً، وبالنساء اغتصاباً وسبياً واستعباداً مستمرّاً حتّى الآن، فإنّ ذلك لم يشفع لأبناء هذا الدين بالحصول على اعتراف حقيقي بمأساتهم من الشعوب المحيطة بهم، بل ظلّت محلّ إنكار تامّ من البعض من المتطرّفين دينيّاً، ومحلّ إنكارٍ جزئي (أو اعتراف خجول) من قبل البعض الآخر ممّن يُفترض أنّهم علمانيّون وديمقراطيّون.

أحد أبرز أشكال الإنكار الجزئي هو الاعتراف بمأساة الإيزيديّين والتأسّف الشديد على مصير ضحاياها، ولكن بما يترافق مع نكران أهمّ الأسباب التي أدّت بهم إلى أن يصبحوا ضحايا، وهي الاختلاف الديني، عبر القول إنّ جميع المجتمعات التي تعرّضت للحكم من قبل داعش، أو كانت حتّى على تماسٍ معها، تعرّضت لمآسي مشابهة، ولا يعدم أصحاب هذا الموقف أمثلة يسوقونها للإدلال على أنّ «الجميع» قد تعرّض للظلم من داعش: فعشيرتا الشعيطات والبونمر، وهما من العشائر السنيّة في سوريا والعراق على الترتيب، تعرّضتا لمجازر كبيرة طالت رجال العشيرتين، إلى جانب حالات طالت بعض النساء (كتطليقهنّ من أزواجهن). بالإضافة إلى ما عاناه الكثير من الناشطين العرب السنّة في مناطق سيطرة داعش من عمليّات إعدام بشعة.

مشكلة هذا الموقف هو الخلط بين نتائج الفعل من جهة، ودوافعه من جهة أخرى، وهو كالخلط المجانب للعدالة بين جرائم الكراهية والقتل العمد والقتل دفاعاً عن النفس والقتل الخطأ والموت الطبيعي، بحجّة أنّ جميع الضحايا ماتوا! هذا الموقف يحاول أن يمنع الضحايا من معرفة أسباب ودوافع ما تعرّضوا له من ظلم، بل والتعتيم عليها عبر اعتبارها جزءاً من الظلم العام الذي يتعرّض له الجميع على قدم المساواة. ولكن، وإن كانت المجتمعات العربيّة السنيّة قد تعرّضت للظلم، وهو ما لا يجب إنكار وجوده وحجمه في المقابل، فإنّ داعش لم يستهدف ضحاياه في هذه المجتمعات بناءً على انتمائهم بالولادة، كالحالة الإيزيديّة، بل بناءً على انتمائهم السياسي أو تضارب في مصالحهم الاقتصاديّة. وإن كان الاعتداء على المختلف سياسيّاً يعني بشكل مؤكّد غياب الديمقراطيّة، إلا أنّ بوسع ضحاياها تجنّب الاعتداء عبر إبداء الولاء السياسي أو «الحياد الإيجابي» أو تحمّل خسائر اقتصاديّة، في حين أنّ الاعتداء على المجموعات الدينيّة والعرقيّة المختلفة هو مما لا يملك الضحايا أي فرصة للنجاة منه، لأنّ الطبيعة المطالب بتغييرها هي ممّا يستحيل على الضحيّة فعله، وهو امتلاكه القرار على ولادته لهذه المجموعة أو تلك.

أبعد من ذلك، فعلى عكس ما ينطوي عليه هذا الموقف من اعتبار أنّ مأساة الإيزيديّين هي «أضرار» جانبيّة لعدم إيمان داعش بالديمقراطيّة، نجد أنّ أحد أهمّ الأسباب التي تمنع داعش من الإيمان بالديمقراطيّة أساساً هو فكرها العنصري: إذ يمكن للعنصريّة وغياب الديمقراطيّة أن يجتمعا في نظام واحد كداعش والأنظمة العنصريّة في سوريا وتركيا (وجنوب أفريقيا سابقاً)، أو قد تغيب الديمقراطيّة مع غياب العنصريّة أيضاً، كالأنظمة الشيوعيّة حول العالم، ولكن لم يحدث في العصر الحديث أن اجتمعت الديمقراطيّة والعنصريّة في نظام واحد.

وعدا عن افتقاره للعدالة، فإنّ هذا الموقف بذاته ينطوي على عنصريّة من باب ما، إذ إنّ محاولات تبسيط المأساة الإيزيديّة واعتبارها عَرَضاً جانبيّاً (وإن بالغ التأثير) لمشكلة أخرى، قد تكون غياب الديمقراطيّة عند البعض، أو تفشّي العنف عند البعض الآخر، يدلّ أيضاً على «عاديّة» الفعل، وبكلمات أخرى، يفهم من هذا الموقف أنّ «ما فعلته داعش بالإيزيديّين أمرٌ عاديٌّ بالنظر لاشتمال عنفها على جميع من كانوا تحت حكمها أو في متناول نيرانها». هذه «العاديّة» تجاه الدافع العنصري لداعش في هجومه على الإيزيديّين قد تكون نتيجة عدم الاعتقاد أصلاً بأنّ ممارسات داعش هي ممارسات عنصريّة، وفي أحسن الأحوال، قد تكون نتيجة ضعف حساسيّة أصحاب هذا الموقف تجاه الممارسات العنصريّة. هذا النوع من الإنكار يمكن رؤيته بوضوح لدى المعادين للساميّة في العالم، إذ تفاوتت مواقفهم بين منكرٍ لحدوث المجزرة أصلاً، واتهّامهم اليهود بتدبير مؤامرة وتلفيق مأساتهم لتأسيس دولة إسرائيل، وبين منكرٍ لحدوث المحرقة واتّهامهم اليهود بالمبالغة لذات السبب السابق، وبين منكرٍ لأيّ تميّز في أسباب قتل اليهود واعتبارهم «من ضحايا الحرب العالميّة الثانيّة». هذا القسم الأخير من المعادين للساميّة هم من يخفون معاداتهم خلف مشاعر الحزن على الضحايا جميعاً، ولا بأس أن يشمل اليهود أيضاً، طالما كان هذا الاعتراف بكونهم «ضحايا» يعفيهم من الاعتراف بكونهم «ضحايا العنصريّة النازيّة»، بما يترتّب على هذا الاعتراف الأخير من مراجعة لمنظومة القيم والأفكار التي أنتجت معاداة الساميّة بالدرجة الأولى.

لا تزال المجازر التي يلقاها الإيزيديّون منذ قرون من دون اعتراف حقيقي من قبل المجتمعات المحيطة بهم، وهو ما يضيف عدم الاستقرار والقلق من المستقبل إلى مشاعر الحزن على ضحاياهم: فعدم الاعتراف الحقيقي والواضح بما تعرّضوا له بوصفها جريمة إبادة جماعيّة استهدفتهم لأنّهم إيزيديّون، يعني أنّ تكرارها في المستقبل لن يواجه صعوبات كان يفترض بالاعتراف أن يخلقها في ذهنيّة المجتمعات المجاورة لهم.

Leave a Reply