الكرد والمضيّ إلى الاستقلال أو الأمة الديمقراطية

الكرد والمضيّ إلى الاستقلال أو الأمة الديمقراطية

1041
0
شاركها

حسن عبد الله

يُدرك الكرد أكثر من غيرهم أن عصر القوميات والعصبية القومية قد ولى، رغم حلمهم الدائم في إقامة دولة قومية موحّدة، لكنّهم، وبحكم تجاربهم المتعدّدة في الدول التي اقتسمت اتفاقية سايكس بيكو وطنهم بينها، يدركون أنّ الدولة القومية –كما عايشوها– تحمل من المآسي والقهر للمختلف قومياً، ما يضاهي حجم تلك الدولة، وهي مآس وآلام تكفي لأن تقوّض أركان أي دولة.

الكرد عانوا من أحادية وهيمنة العنصر القومي في الجمهوريتين العربيتين البعثيتين في العراق وسوريا، وهيمنة الفرس في جمهورية إيران، وهيمنة الترك في جمهورية أتاتورك؛ التي لا يحق فيها لغير التركي إلا أن يكون «خادماً وعبداً»، كما صرّح وزير العدل التركي قبل سنوات.

في العراق، وخلال فترة قريبة قادمة (الخامس والعشرون من أيلول)، سيُجرى الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان عن الدولة الاتحادية العراقية، وهي خطوة تعبّر عن حقيقة ما يجول في خواطر أغلب الكرد، وإن كان هناك الكثير مما يمكن أن يوجّه لهذه الخطوة من انتقادات: كالتسّرع، والتستّر على أهداف حزبية محتملة، وغير مدروسة العواقب…الخ، لكنّها تعبّر أيضاً عن الشرخ والتباعد الكبير بين تفكير القوتين الكرديتين الرئيسيتين والمتخاصمتين؛ وهما النهج البارزاني الذي يحمل راية الاستقلال بكردستان العراق، وحيداً بعد أن أبعد المنافسين، ولجم حزب الاتحاد الوطني الجلالي، والقوة الثانية هي للنهج الأوجالاني الذي يطمح إلى التوسّع إلى «أكثر من كردستان»، إلى «إمبراطورية الأمة الديمقراطية» والشرق الأوسط الديمقراطي على أقلّ تقدير، وهي تخشى أن تصبح خطوة البرزاني هذه <فزاعة> تبعد الأطراف غير الكردية عن مشروعه، وبالتالي ليشكّل عقبة أمام تحقيق مشروع أخوة الشعوب.

في سوريا، ومنذ بدية الأحداث ضدّ حكم الأسد، بادر الكرد السوريون إلى السعي لرسم صورة مطلبهم الرئيس في هذا الجزء، وتحديد هويتهم التي تحمل انتماءين مزدوجين؛ أحدهما يعود إلى الدولة السورية التي يعود فضل إقامتها إلى سايكس وبيكو، وكان للكرد دور كبير في تقويتها وترسيخ معالمها، إذ بقي هذا الدور إلى أن صعد التيار القومي العربي، ليؤدّي في النهاية إلى استيلاء حزب البعث العربي على سدة الحكم فيها، وليتراجع دور الكرد في سوريا. أما الانتماء الآخر فهو لكردستان الكبرى التي لا تفتأ تدغدغ أحلام الكرد وتمتلئ بها أدبياتهم السياسية وأغنياتهم.

وقد قام حزب الاتحاد الديمقراطي الذي ينتمي إلى المدرسة الأوجالانية، والذي يسيّر المنطقة منذ 2012 إلى جانب قوى وأحزاب مقرّبة منه، بالاستفادة من هذه الحال، وعزف جيداً على هذا الوتر والميول الكردية نحو حلم إقامة كيان كردي في هذا الجزء الملحق بسوريا، عرف أيضاً كيف يشحذ مختلف الفئات الكردية المجتمعية قومياً، وبخاصة الشباب، ليجنّد بذلك الآلاف منهم، حيث ركز في بداية انطلاق الثورة السورية على  تخليص الكرد من الظلم والاستبداد القومي العربي البعثي، والوقوف في وجه التطرّف الديني القومي العربي الذي زحف على المنطقة مع الثورة السورية، ثم ليتبع ذلك بنهج آخر يحتوي من خلاله العناصر الأخرى المتعايشة في المناطق ذات الغالبية الكردية.

ففي بداية الحراك الثوري كان حزب الاتحاد الديمقراطي الأكثر إصراراً على التأكيد على الهوية الكردية، ومن ذلك تسمية أيام الُجمَع بأسماء كردية ثورية، خارجاً بذلك عن سرب الأحزاب المنخرطة مع الحِراك الذي أخذ شيئاً فشيئاً طابع الأسلمة والعروبة.

الإصرار على رفع صور الرموز الكردية والطابع الكردي في المظاهرات، وكذلك التأكيد على تسمية روجآفاي كردستان (غرب كردستان)، ثم اختصارها فيما بعد إلى روجافا منعاً من خلق حساسيات مع المكونات الأخرى، حتى غدا المصطلح <الطارف التليد> مأخوذاً به في العالم، وأخذ يحتل عناوين أغلب النشرات والصحف العالمية مع بداية معركة كوباني، وصار يُستعملُ حتى من قبل أكثر الكارهين، ولكن الحزب نفسه، وبسبب تطلعاته إلى أن يتوسّع في نشر أفكاره نحو مناطق يقلّ فيها الكرد تعداداً إلى نسبة لا تساعد في تحقيق أهدافه، ما دفعه إلى إيجاد وخلق مصطلحات ومفاهيم جديدة حتى لو ضحى بـ<أهداف صغيرة>.

ولعلّ الخطوة الأخيرة كانت تغيير اسم النظام الفدرالي الذي أعلنه مع عدد من الأحزاب العربية والمسيحية إلى النظام الفدرالي لـشمال سوريا، وإزالة كلمة روجآفا منها، مستغلاً ضعف خصومه في الداخل الكردي في سوريا، والدعم الكبير من أكبر الأحزاب الكردستانية، وهو حزب العمال الكردستاني الذي يملك باعاً طويلاً في الحرب والسياسة الإقليمية، يخطو PYD نحو رسم جغرافية جديدة وفق مفاهيمه وأيديولوجيته التي تناسب إلى حدّ كبير الرؤى الغربية في حلّ مشاكل المنطقة والشرق الأوسط عموماً.

لكن يبقى السؤال الذي يقضّ مضجع الأعداء ويؤرّق الأصدقاء والشركاء في سوريا: ترى هل سيبقى هذا الحزب متمسّكاً بالمبادئ التي وضعها لنفسه؟ ألا وهي المساواة بين شعوب المنطقة في الحقوق القومية، وعدم استغلال هيمنته لفرض العنصر الكردي، وهي مخاوف لها ما يسوّغها، وسيغذّيها أيضاً ذهاب الكرد في العراق إلى الاستقلال.

هل سيرفض PYD أي حدود جديدة أو تقسيم لسوريا في حال توفرت الظروف أو صارت نحو ذلك؟ أم أنّه سيرفض ذلك متمسكاً بالعهد الذي قطعه على نفسه بأن لا يدفع إلى تقسيم البلاد على أسس عرقية أو طائفية؟

هذه الأسئلة وأسئلة أخرى تفرضُ نفسها على PYD بعد كل نصر تحقّقه وحدات حماية الشعب على الأرض، وبعد كل خطوة يخطوها، وتبقى بانتظار الإجابة عنها مع الاقتراب من معركة الحسم والنصر الكبير على داعش في الرقة، أسئلة من قبيل:  كيف سيقنع أتباعه في الداخل الكردي بأنّه يدافع عن حقوقهم القومية؟ كذلك كيف سيقنع حلفاءه من غير الكرد في الداخل السوري بأنّ مشروعه ليس قومياً، وأنّه لا يعمل على تقسيم سوريا؟ وكيف سيقنع دول الجوار بأنّه لا يعمل على تشكيل كيان كردي؟ في حين تترسّخ القناعة لدى هذه الدول أنّ أغلب الكرد يقدّمون التضحية ليحصلوا على مكاسب قومية.

وبين سير الكرد نحو الاستقلال في العراق، وبين تبنّيهم لأفكار ورؤى حاملة للمعاني الواسعة في سوريا، يتجلّى دورهم الريادي في قيادة المنطقة نحو صيغة جديدة، قد تكون حدوداً أو مفاهيم تحدِّد شكل المرحلة القادمة للمنطقة، ولاعبوها الأكثر ديناميكية وتكيّفاً هم الكرد. وسواء أراد الكرد الاستقلال أم أرادوا الأمة الديمقراطية وقاموا بفرضها على الأرض، فإنّ كلا التوجهين يعنيان أنّ إرادة الكرد ستتحقّق، وخياراتهم مفتوحة تتّسع في حين تضيق بها خيارات الآخرين.

بدون تعليق

اترك رد