مشاركة

همبرفان كوسه

«بعد مضيّ عشرة أيام على الزفاف الثالث لزوجي، جاءت دورية تابعة لقوات أسايش بلدة جل آغا، وسلمت زوجي بلاغاً للمثول أمام النيابة العامة في مدينة ديريك، وتم اعتقاله حينها وحتى اللحظة». تقول حسنة، الزوجة الثانية لريزان، وهو من أهالي إحدى قرى بلدة جل أغا، وتزوج مؤخراً بالثالثة، لتصدر سلطات الإدارة الذاتية بحقه حكماً بالسجن لمدة عام كامل، مع غرامة مالية بلغت 500 ألف ليرة سورية، إضافةً إلى تطليقه من زوجته الثالثة بالنيابةِ عنه.

وتعتمد الأحكام الصادرة بحق ريزان وغيره من متعددي الزوجات على المادة 13 من قانون تنظيم شؤون المرأة، والتي تثير جدلاً في مختلف الأوساط الاجتماعية، ليس فقط بين من يؤيد ويعارض منع تعدد الزوجات, بل غالباً لما تنطوي عليه بعض بنود هذا القانون من مشاكل اجتماعية كبيرة لم يتوقعها المشرعون ولم يعالجوها في إطار هذا القانون أو بإصدار قوانين أخرى.

وفي إحصائية سنوية لمنظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة في روجآفا، وثّقت 67 حالة تعدّد زواج في مقاطعة الجزيرة، و 24 حالة في مقاطعة كوبانى .

مع منع تعدد الزوجات ولكن ضد القانون؟

اعتمدت سوريا على قانون الأحوال الشخصية في الزواج والطلاق والنسب والميراث وغيرها، والتي استندت وارتكت على الشريعة الإسلامية وعلى المذهب الحنفي بالتحديد في الأمور الخلافية، وكما هو معلوم فالشريعة الإسلامية تمنح حق الزواج للرجال مثنى وثلاث ورباع.

ويفصِّل في ذلك الداعية الإسلامي الكُردي محمد غرزي، وهو رئيس اتحاد علماء المسلمين في مقاطعة الجزيرة قائلاً: «إن تعدد الزوجات ليس واجباً شرعياً وليس تشريعاً إسلامياً بل كان التعدد دون حدود، فحدّده الإسلام أن لا يزيد عن الأربعة»، مضيفاً أنّها «من المباحات في الأصل، والمباح قد يرقى إلى درجة الوجوب، وقد يصل إلى درجة الحرمة، حسب قاعدة المفاسد والمصالح» .

لا تحفظ لدينا على منع التعدد إلا في حالة أن تكون الزوجة مريضة بمرض خطير غير قابل للشفاء، أو كانت عقيمة

وعن سؤال فيما إذا كان قد تمت استشارتهم لدى وضع القانون وإصداره، باعتبارهم مرجعية دينية، كشف غرزي أنه لم تتم استشارتهم عند وضع القانون، إلا أنه «لا تحفظ لدينا على منع التعدد إلا في حالة أن تكون الزوجة مريضة بمرض خطير غير قابل للشفاء، أو كانت عقيمة»، مضيفاً: «ونحن مستمرون في الدفاع عن هاتين الحالتين» .

وتبدي شمس عنتر، وهي عضو في منظمة المرأة الكُردية الحرّة، رفضها لظاهرة تعدد الزوجات، ولكنها تعتقد أن تطبيق قانون منع تعدد الزوجات حالياً في مناطق محافظة الحسكة «صعبٌ جداً؛ فالقوانين يجب أن تمهُد لها الأرضية الفكرية والثقافية حتى تلاقيّ القبول من المجتمع».

ويرى جاندي خالدي، وهو حقوقي ورئيس تحرير إذاعة ولات إف إم سابقاً، أن المجتمع حالياً قد لا يتحمل تبعات إصدار مثل هكذا قوانين، مضيفاً أنّ «نسبة الفتيات غير المتزوجات كبيرٌ جداً مقارنةً بالسنوات الأخيرة قبل الأزمة».

هل تطال عقوبة التعدد الرجل والمرأة على السواء؟

وتنص المادة 13 من المرسوم على «منع تعدد الزوجات، و عقوبة تعدد الزوجات هو اعتبار الزواج بثانية باطلاً لا ينتج أثراً ويعاقب من يخالف بالسجن سنة كاملة وبغرامة مالية قدرها (500000) خمسمائة ألف ليرة سورية، وإذا كان المخالف موظفاً في الإدارة الذاتية الديمقراطية يفصل من عمله».

 وتعقيباً على هذه المادة يقول الحقوقي جاندي خالدي: «أنا كحقوقي لستُ مع تعدّد الزوجات بالمطلق لكنني ضد إيقاع العقوبة بمن يتزوج للمرة الثانية لظروف استثنائية، ويتوجب على المشرِّع أن يلغي المادة التي تعاقب الزواج بثانية في مثل هذه الظروف، حفاظاً على البعد الاجتماعي والقانوني لمؤسسة الزواج التي لا بد أن تستمر ضمن هذه الظروف».

فيما تطالب نورا خليل الناطقة الرسمية باسم منظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة في روجآفا بتشديد العقوبة  موضحّةً أنه «أولاً انزال العقوبة بالطرفين متساوية سواء كانت غرامة أو الحبس (الرجل أو المرأة أي الزوجة الثانية)، ثانياً أنا مع زيادة مدة السجن، وعدم تبديلها بالغرامة المادية، لأن هناك مادة في قانون العقوبات يجوز تبديل السجن بالغرامة».

الدعوة لم ترفع من قبلي، أو من قبل زوجته الأولى. أنا أذنت له بالزواج، وكنت راضية عن ذلك

بينما يرى الملّا محمد غرزي أن «يعاقب والد (الزوجة) الثانية حتى لا يقدم على خلق وضع قد تفتت عائلة متماسكة»، مستدركاً: «فلا أظن أن رجلاً يقدم على الثانية تقرباً إلى الله، بل طلباً للّذة».

متسائلاً في الوقت نفسه: «وهل يوجد شخص يحبذ أو يرتاح لأن يتم الزواج بالثانية على ابنتهم؟» معتبراً أنّ «العقوبات تعود للقضاء و قد يكون لنا رأي تفصيلي فيها؛ لو استشارونا في هذا الأمر».

وتقول حسنة إنها ذهبت إلى مركز قوات الأسايش ودار الشعب في بلدة جل آغا للاستفسار عن زوجها وعن أسباب اعتقاله، مضيفة: «النيابة العامة لم تخبرني عن الشخص الذي قام برفع الدعوى بحق زوجي، أي أن الدعوة لم ترفع من قبلي، أو من قبل زوجته الأولى. أنا أذنت له بالزواج، وكنت راضية عن ذلك».

وتضيف حسنة: «حضرت دورية تابعة لقوات آساييش بلدة جل آغا إلى المنزل، بعد أن تم اعتقال ريزان، واستفسروا عن فاطمة (زوجة ريزان الثالثة)، وأكدوا حينها أنّهم سيقومون بالاستفسار منها، وسيتم إعادتها إلى المنزل على الفور، لكن لم يحدث ذلك، فهي لم تعد، بل ذهبت إلى منزل أهلها، بعد أن قامت النيابة بتطليقها».

هل يحافظ القانون على حقوق المرأة؟

كانت الإدارة الذاتية في مقاطعة الجزيرة قدّ أصدرت في 1/11/2014 المرسوم التشريعي رقم (22) بغرض تنظيم شؤون المرأة في مناطق المقاطعة، وفقاً لما جاء في ديباجة المرسوم.

ويمنع المرسوم تعدد الزوجات، ويلغي المهر، كما يمنع الطلاق بالإرادة المنفردة، ويسمح بتنظيم صكوك الزواج مدنياً. ويساوي القرار بين المرأة والرجل في مسائل الإرث، وفي الشهادة من حيث القيمة القانونية.

«قامت النيابة العامة التابعة للإدارة الذاتية بتطليقي دون موافقتي ودون رضاي. لا أزال أنتظر خروج زوجي من السجن. لا أعلم ما تحول إليه الأمور بعد أن يتم الإفراج عنه. هذا الأمر كان صعباً بالنسبة لي، ووقعه على حالتي النفسية كان سلبياً جداً»، تقول فاطمة، زوجة ريزان الثالثة، وتعيش الآن مع أهلها في قرية بريف بلدة جل آغا.

إن كانت الزوجة حاملاً، إلى من سينسب الطفل بعد الإنجاب في ظل عدم وجود قانون ينسب الطفل للأم؟ وعلى من تترتب حقوق تربيته ونفقته؟

وعن ذلك يقول خالدي: «(قانون) منع تعدّد الزوجات في الوقت الحالي لا يمنح الحقوق الكافية للمرأة، فاعتبار زواجٍ ما باطلاً –وقد يكون مرّ على الزواج فترة ليست بالقصيرة– تترتب عليه آثار سلبية، للمرأة منها النصيب الأكبر». ويشير إلى أنّ القاعدة الفقهية تقول: «ما بني على باطل فهو باطل»، ومن المعلوم أنّ الزواج تلحق به أمور عدة، منها الإنجاب والنسب والميراث «لذا، فإطلاق المشرِّع ببطلان الزواج، أي أنه بحكم المعدوم، لا يجعل أيّ أثر من آثار الزواج يترتب عليه، عدا عن أنّ القانون لم يبيّن حقوق الزوجة الثانية المطلَّقة».

ويعطي خالدي  أمثلة عن المشاكل التي يمكن أن تحدث نتيجة الحكم ببطلان الزواج بموجب قانون منع تعدد الزوجات، «فإن كانت الزوجة حاملاً، إلى من سينسب الطفل بعد الإنجاب في ظل عدم وجود قانون ينسب الطفل للأم؟ وعلى من تترتب حقوق تربيته ونفقته؟ بل الأكثر من هذا: ما الصفة التي ستطلق على المرأة قانونياً؟ مطلقة أم ‹أمٌّ عازبة› أم ماذا؟ وكيف سينظر المجتمع لهذه المرأة التي تزوّجت زواجاً بحكم المعدوم؟ وما الآثار النفسية السلبية التي ستعيشها بعد بطلان زواجها؟».

الهجرة والانخراط في جبهات القتال قلّلت من حالات الزواج

سببت موجات الهجرة التي تعرضت لها مناطق غربي كردستان، ومنها مقاطعة الجزيرة، ارتفاعاً في نسبة الفتيات مقارنة بنسبة الشباب، قسمٌ منها كانت لأسبابٍ اقتصادية أو اجتماعية، إضافةً إلى قانون واجب الدفاع الذاتي (التجنيد الإلزامي)، والذي فرضته الإدارة الذاتية في منتصف تموز/يوليو 2014، الأمر الذي أثّر بدوره على عدد حالات الزواج وازدياد الفتيات العازبات بشكلٍ ملحوظ.

وعن تأثير الهجرة على حالات الزواج تقول عنتر: «طبعاً هجرة الشباب ووجودهم على جبهات القتال واستشهاد الكثير منهم عامل يقوِّض هذا القانون، لأن نسبة الإناث أصبحت أضعافاً مضاعفة لنسبة الذكور، مما يتسبب ببقاء عدد كبير من النساء دون زواج، وبالتالي يؤثر سلباً على المجتمع ككل، حيث يخلق خلل في كل جوانب الحياة».

هل يقبل المجتمع التعدّد بالمطلق أم يرفضه؟

تركيا مثلاً تدّعي أنها دولة اسلامية ومع ذلك لا تقبل بتعدد الزوجات، ونحن الذين ندعي العلمانية يفترض ألا نوافق على تعدد الزوجات كذلك

ويؤكّد رئيس اتحاد علماء المسلمين، محمد غرزي، أنّ «المجتمع ليس متفقاً على التعدّد، فمن بلغت ابنته سن العنوسة أو لطمع مادي، يرى التعدد حسناً ومشروعاً، أما الزوجة الأولى وذويها فيرون ذلك ظلماً»، مستدركاً أنه «قبل هذه القوانين، ومنذ عشرات السنين، لا أحبذ التعدد، فالقرآن يقول }وخلق لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل بينكم مودة ورحمة{، فأيّة مودة وأيّة رحمة من الزوج عندما يشرك أخرى مع الأولى؟» مضيفاً «على العموم، لم أكن مؤيداً للتعدّد ولا أراه جائزاً على الإطلاق، كما لا أرى المنع مطلقاً، فالحالة قد تتغير بسبب تغير الأسباب».

وتبيّن عنتر أنّه «ليس مهماً أن تتوافق كل القوانين مع الشريعة الإسلامية، إنما عليها أن تكون مواكبة للعصر وملائمة للمجتمع، فتركيا مثلاً تدّعي أنها دولة اسلامية ومع ذلك لا تقبل بتعدد الزوجات، ونحن الذين ندعي العلمانية يفترض ألا نوافق على تعدد الزوجات كذلك»، مضيفةً: «ما دمتُ رافضة لفكرة تعدد الزوجات قطعاً، فلن أطالب ابني أن يتزوج بأخرى في حال لم تنجب زوجته، إذ كيف ستقبل المرأة على نفسها الحرمان ولا يقبل الرجل، أين المساواة في هذا الأمر؟»

ومن جهتها، تعتقد نورا خليل أنه «لا يمكن فصل العنف ضد المرأة عن النظرة الدونية للنساء والتمييز ضدهن بكافة الطرق الأخرى. بالتالي، نحن نرى العنف ضد النساء لا كفعل فردي أو استثنائي، بل كاستمرار أكثر فجاجة لأشكال أخرى من القهر في المجتمع»، في إشارة إلى تعدّد الزوجات.

ويعتقد خالدي أنّ «قانون تعدّد الزوجات بشكله الحالي لا يحمي أيّ حق للمرأة، بل يساهم في تقليل حالات الزواج ويساهم في ازدياد حالات الطلاق بشكلٍ ملحوظ؛ فالرجل الذي ينوي الزواج بأخرى، بسبب مرض زوجته الأولى أو عدم إنجابها للأطفال أو لأي عارضٍ آخر، سيضطر أن يطلِّق الزوجة الأولى كي يتزوّج بأخرى، وهذا ما يؤثِّر بشكلٍ كبير على تماسك المجتمع».

تعتبر مؤسسة الزواج من المؤسسات الهامة في المجتمع، فبناءً على هذه المؤسسة  وآثارها الإيجابية أو السلبية تنبني الكثير من النتائج الفعلية عليها لتشكِّل مضمون وشكل المجتمع القائم عرفاً. وتعتبر مسألة منع تعدّد الزوجات في مناطق الإدارة الذاتية من المواضيع التي شكّلت اختلافاتٍ كثيرة في الأوساط الاجتماعية ما بين مؤيِّد ومعارض ومن يقفون موقفاً وسطاً حيالها.

ويبدو أن المجلس التشريعي في مقاطعة الجزيرة لم يأخذ بعين الاعتبار الحالات السلبية التي يمكن أن تنشأ عن قانون منع تعدد الزوجات بشكله الحالي، ويبقى السؤال: هل ستقوم الإدارة الذاتية بتعديل هذا القانون أو إصدار قوانين أخرى تخفف من الآثار السلبية على الزوجة الثانية وطفلها إن وجد؟

Leave a Reply