الرئيسية رأي بين بانادول الجعفري ومزحة المقداد آلاف الكيلومترات المحررة!

بين بانادول الجعفري ومزحة المقداد آلاف الكيلومترات المحررة!

باز بكاري
صحفي كردي، من مدينة عامودا بريف الحسكة، مدير سابق في القسم الكردي في وكالة قاسيون للأنباء، وينشر مقالات باللغتين الكردية و العربية عبر مجموعة من الصحف العربية والكردية.
مشاركة

لم تخفف سنوات الخسارة والضربات التي وجهت للنظام الحاكم في دمشق من عجرفته، فهو لليوم لا يعترف بانتفاضة هزت أركانه، ولا بالفوضى التي تعم البلاد نتيجة استخدامه لآلته القمعية والتدميرية ومعارضته التي أحالها لعصابات تعيث خراباً بالبلاد بعد أن طعمها بمتطرفين أخرجهم من قيعان سجونه، وتصفيته لأغلب الشخصيات المعارضة الداعية للسلمية في التعاطي مع الحالة الثورية.

كردياً لم يوفر النظام السوري جهداً في نفي أي قضية كردية في البلاد، ولا حتى مسألة بسيطة لمجموعة من البشر لها مطالب خاصة، بل كان  يقول دوماً، وحتى قبل الثورة، وفي أعلى درجات الاعتراف بالوجود الكردي، أن هناك مجموعة من المواطنين السوريين يقال عنهم أنهم أكراد، هم عبارة عن عائلات مهاجرة اندمجت مع «النسيج الوطني السوري» وهم «أكراد عرب سوريون» يتمنون فقط أن يرضى عنهم هو وحاشيته.

بعد انطلاق الثورة السورية والتغييرات التي طرأت على المجتمع السوري، وخاصة بعد تحول المواجهات بين المعارضة والنظام إلى العسكرة، ظهرت من صلب المجتمع الكردي في سوريا مجموعة مسلحة حملت شعار «حماية الشعب» مستفيدة من الفراغ الأمني الذي نتج عن انسحاب النظام السوري من معظم المناطق الكردية وتواجده الشكلي في بعضها الآخر، واستفادت من الظروف لتتمدد وتقوي شوكتها في المنطقة، بالتأكيد لا نستطيع أن نقول عنها أنها قوة كردية صرفة أو لها طابع كردي خالص، فأيديولوجيتها والنظرية التي يطرحها قادتها السياسيون تحمل فكراً أممياً بعيداً عن القومية، ومؤكدة على ذلك في أكثر من محفل.

عدم اختيار هذه القوة المواجهة الشاملة مع النظام السوري وتقبلها للتفاهمات معه في أكثر من نقطة، وأيضاً ضعف النظام السوري في مراحل اشتداد الجبهات بينه وبين المعارضة السورية، وكذلك تعاطيه الحذر مع الكرد كانت أسباباً كافية لتعاظم سيطرة هذه القوة على مساحات واسعة من البلاد.

لاحقاً، استطاعت  قيادة الوحدات تطوير الفكرة وكسب تحالفات داخلية وخارجية، فكانت معركة كوباني، رغم المأساة التي خلفتها هجمة تنظيم داعش في المدينة، مدخلاً لبناء علاقة قوية مع التحالف الدولي ضد التنظيم، وحافظت على استمرارية العلاقة واكتسبت ثقة الحلف الدولي، لتصبح فيما بعد قوة رئيسية يعتمد عليها الحلف في معاركه التي تلت معركة كوباني، خاصة بعد أن فتحت الوحدات باب التحالفات مع قوى المعارضة السورية التي توافقها في الفكر، أو تتشابك مصلحتها مع مشروع الوحدات، ليصار إلى إعلان ائتلاف عسكري أوسع وأشمل تحت اسم «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعتبر اليوم ثان أكبر قوة عسكرية في البلاد، وتسيطر على مساحة تجاوزت ربع مساحة البلاد.

طبعاً لم تجري الأمور بسلاسة ودون منغصات، ففي الداخل السوري عادت معظم قوى المعارضة السورية مشروع الوحدات، ولاحقاً مشروع قوات سوريا الديمقراطية، بالتزامن مع الرفض التركي المطلق لأي دعم يضمن استمرارية فاعلية هذه القوى، وتحولت قضية معاداة ومحاربة هذه القوات والدعم المقدم لها إلى نقطة إشكالية على المستوى الإقليمي والدولي، وأضحت هذه القوة اليوم رقماً صعباً في المعادلة السورية.

بالرغم من كل ما ذكر آنفاً، لا يعترف الجعفري وزميله المقداد، وباقي زملائهم من عناصر نظام حزب البعث العربي الاشتراكي، بهذه القوة ولا بوجودها كأمرٍ واقع من الصعب أن يغض النظر عنه، ولم يوفر النظام مناسبة ليستخف بهذه القوة، وفي أحسن الأحوال يقدمها على أنها قوة رديفة، حالها حال باقي ميليشياته من المرتزقة الذين جلبهم من خارج البلاد. وبطبيعة الحال، فهو يرفض أي مشروع سياسي أو طرح يعمل عليه قادة المنطقة التي تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

قد يكون النظام السوري اليوم، وبفضل حلفائه الروس، في حال أفضل من الأعوام السابقة، خاصة بعد تقدمه في ريفي الرقة وحمص باتجاه دير الزور، وسيطرته على مدينة حلب بعد انسحاب قوات المعارضة منها في وقت سابق بداية العام الجاري، لكن بالتأكيد يجب ألا ينسى النظام السوري وموالوه أن المعركة التي أنهكته ولغت أي دور سلطوي له على الأرض السورية مازالت مستمرة، وتكسب فيها القوة التي يدعي أنه لا يراها، والتي باتت رقماً صعباً فيها، وتحمل مشروعاً تتوضح ملامحه يوماً بعد يوم، في ذات الوقت الذي يتحول فيه النظام إلى ميليشيا يتقاسم فيها التراب السوري مع تنظيم القاعدة وأخواتها، ولا يقاتلها فعلياً بسواعد «جنوده البواسل» مثله مثل أي سلطة شرعية تحارب المتمردين في البلاد، وأيضاً يجدر به أن يتذكر الدروس التي تلقاها على يد هذه القوى في قامشلي والحسكة، حين حاول أن يبين أن له سلطة في هذه المناطق.

واقع سوريا اليوم مغاير تماماً لواقعها حين انطلاق الثورة السورية، بالطبع لم يكن من المتوقع أن تصل الأمور لهذا التعقيد، لكن يجب أن يعرف النظام السوري أن «دوام الحال من المحال»، وكرد اليوم ليسوا بكرد ما قبل الثورة، ولا كرد بدايات الثورة حين حاول تسخيرهم لمصلحته وروج هو وأقرانه في صفوف المعارضة لتقديمهم على أنهم مجرد مرتزقة يأتمرون بأوامره، بل هم الآن موجودون في كل مفاصل الحالة السورية، فسياسياً للكرد وجود في صفوف المعارضة بألوانها، وعسكرياً هم عنصر أساسي في قوات سوريا الديمقراطية، ولعله البانادول لن يكون نافعاً للجعفري وزميله المقداد حين يصحون من غفلتهم ليجدوا ما توقعوه مزحة واقعاً يؤرقهم.

Leave a Reply