مشاركة

آريا حاجي

كثيرة هي الظواهر السيئة التي كانت موجودة في المجتمعات الشرقية قبل عقود وعادت للظهور خلال السنوات العديدة الماضية، من تلك الظواهر هي الزواج المبكر وزواج القاصرات, والتي انتشرت بشكل ملحوظ، إذ باتت الكثير من الزيجات تتم في عمر مبكرة قد لا يتجاوز فيها عمر المرأة أحياناً 16 عاماً، وفي كثير من الأحيان يكون عمر الرجل مماثلاً.

ويبدو أن هذه الظاهرة لم تعد حكراً على فئات معينة من المجتمع، والتي كانت بدافع اجتماعي أو مادي غالباً، إلا أنه لم يعد بالإمكان حصر أسبابها الآن ضمن إطار الفقر أو العادات فقط، إذ إن عوامل جديدة نشأت بنتيجة الحرب التي تعمّ سوريا، فالابتعاد عن الدراسة نتيجة عدم استقرار المنطقة، إضافة إلى شبح العنوسة الذي يداهم الكثير من الناس، هي من بعض الأسباب التي تدفع بعض العائلات لتزويج بناتهم في عمر صغير، لتظهر نتائج كارثية بعد سنوات من هذا الزواج.

تجارب مريرة ونتائج كارثية

ناديا، الفتاة التي تزوجت بعمر السابعة عشر، عاشت ولا تزال تعيش حياة زوجية مليئة بالخلافات، وتعيد أهم أسباب تعاستها في زواجها كونها لم تتعرف جيداً إلى شريك حياتها، إذ كانت فترة الخطبة قصيرة جداً، لتجد نفسها خلال أسابيع قد انتقلت لحياة جديدة مليئة بالمسؤوليات التي لا يمكن لها أن تتحملها بسبب عمرها الصغير وعدم نضجها الكافي لتقوم بما يتطلب منها كزوجة وربة أسرة. وحين رزقت بطفلها الوحيد، وجدت نفسها أسيرة هذا الزواج ولا تستطيع التراجع أو الانسحاب خوفاً على مستقبل طفلها من الضياع، تقول ناديا: «مضطرة أن أتحمل حياتي التعيسة وأنا بهذا العمر الصغير لأنني رزقت بطفل، ولا أريده أن يضيع بين أم وأب منفصلين».

لم تقتصر آثار الزواج المبكر لدى ناديا على الخلافات بينها وبين زوجها بل وصلت إلى حد تهديدها لزوجها بالانتحار.

كم تمنيت لو أن أهلي عارضوا زواجي هذا، على الأقل لحين إتمام دراستي، واكتمال النضوج العقلي

أما داليا، فحالتها ليست بأفضل من حالة ناديا، إذ رأت نفسها متزوجة في عمر صغير لا يتجاوز ستة عشر عاماً وتعيش مع أهل زوجها «ذوي الأطباع السيئة» كما تصفهم. داليا كانت تظن بأن الزواج أمر سهل وما من صعوبات ستواجهها، كانت تحلم أن ترتدي الفستان الأبيض، ولم تكن تعلم أنها حياة أبدية ستعيشها مع شريكها ويجب أن تتفهمه وتستوعبه لتحافظ على زواجها، حيث تركت دراستها لتتوجه إلى الحياة الزوجية في منزل مشترك مع عائلة زوجها، ويوماً بعد يوم بدأت المشاكل تكبر بسبب تدخلهم في حياتها وقلة نضجها لتعرف كيف تتعامل مع هذه المشاكل، تعود داليا الحامل الآن بطفلها الأول في شهرها الخامس لتتذكر أيام دراستها مع أصدقاءها وتقول: «كم تمنيت لو أن أهلي عارضوا زواجي هذا، على الأقل لحين إتمام دراستي، واكتمال النضوج العقلي لدي لأستطيع احتواء المشاكل التي أعيشها في حياتي الحالية. وأنصح أي فتاة ألا تتزوج في عمر مبكر، لأن الحياة الزوجية تتطلب عقلاً ناضجاً وليست فستان أبيض وحفلة فقط».

هذه المشاكل والصعوبات لا تواجه الفتيات القاصرات فقط، بل تصيب من هنّ فوق سن البلوغ القانوني (18 عاماً). فسميرة كانت تبلغ من العمر تسعة عشر عاماً حين أنهت دراستها الثانوية، وتحضرت لتتوجه إلى الجامعة. لكن، وبسبب غياب والدها المتوفى، وجدت نفسها في مواجهة أعمامها الذين رغبوا بتزويجها من ابن عمها الذي كانت تعتبره أخاً لها كونهم كبروا معاً، وبسبب الضغوطات عليها ورفضها لابن عمها، وفي نفس الوقت تقدم أحد أقربائها في دولة أخرى لخطبتها، قررت سميرة أن تتزوج من ذاك البعيد هرباً من ضغط أعمامها عليها.

تقول سميرة: «حين تزوجت لم أكن أعلم مدى صعوبة الحياة الزوجية في هكذا عمر، فقد تفاجأت بواجبات كثيرة ومرهقة يجب أن أقدمها لزوجي، إضافة إلى الواجبات الاجتماعية المفروضة علي، والأكثر صعوبة، حين أنجبت أطفالاً».

حملت سميرة طفلتها الأولى بعد زواجها بأيام، وحين ولدت لم ترى أحداً بجانبها في غربتها تلك، وكانت تضطر لتتعلم تربية طفلتها عن طريق مواقع الإنترنت، دون أن تجد أي مساعدة من زوجها، في حين بدأت المشاكل تظهر بينهما بعد مرور أشهر على الزواج. وبعد أن ولدت طفلها الثاني كثرت المشاكل بينهما ما دفعهما للانفصال، لتجد سميرة نفسها مسؤولة عن طفلين وعمرها لم يتجاوز 25 سنة، وحين ظهرت مشاكل جديدة فيما يخص حضانة الطفلين كانت تسمع سميرة من كل من حولها يقولون: «لا زلتي صغيرة ولن تستطيعي القيام بتربيتهم، لذلك دعيهم لوالدهم».

وتضيف سميرة قائلةً: «لو أنني وزوجي كنا ناضجين كفاية لاستطعنا تجاوز هذه المشاكل، ولاستطعنا أن نتفهم بعضنا دون أن يتشتت أطفالي بسبب طلاقنا».

ولكن لماذا يقبل الأهل بهذه الزيجات؟

وصلت ابنتي إلى نهاية الدراسة في المدرسة، وفكرة إرسالها إلى محافظة أخرى للبدء بدراسة الجامعة فكرة مستحيلة

لطالما كان الفقر أحد أهم الأسباب التي تدفع معظم الأهالي إلى تزويج بناتهم في سن مبكرة، وذلك لتخفيف مصاريف الحياة. لكن، وبعد بدء الأزمة السورية، ظهر سبب جديد دفع بالكثيرين لقبول زواج بناتهم، ألا وهو الابتعاد عن الدراسة مثلما توضح السيدة فاطمة والتي تزوجت ابنتها منذ سنة حين وصلت إلى الصف الثاني عشر فتقول: «وصلت ابنتي إلى نهاية الدراسة في المدرسة، وفكرة إرسالها إلى محافظة أخرى للبدء بدراسة الجامعة فكرة مستحيلة، لأنني أخاف عليها من أي مكروه يصيبها نتيجة عدم الاستقرار في معظم المدن السورية، لذلك حين تقدم شاب مقيم في إحدى الدول الأوربية لخطبتها رأيت أنه ربما يساعدها زواجها وسفرها إلى الخارج في إتاحة الفرصة لإتمام دراستها ذات يوم».

أما السيدة روجين أوضحت أنه، وبسبب وضعهم المادي السيء، وعدم قدرتهم على تلبية كل ما يلزم لأولادهم، إضافة إلى خوفها من المستقبل المجهول نتيجة الأوضاع التي تمر بها المنطقة، وجدت في زواج ابنتها البالغة من العمر 17 عشر عاماً طريقاً للاستقرار، و تذكر أن الزواج ينتظر كل فتاة مهما بلغ عمرها، آملة أن تكون الحياة الجديدة لابنتها سعيدة، وتقول إنها ستكون إلى جانبها لتقدم لها نصائحاً لكل مشكلة ستمر بها مستقبلاً.

هل ساعد القانون القاصرات أم زاد الطين بلة؟

لمعرفة دور القانون في الحد من هذه الظاهرة أو المساهمة في زيادتها، توجهت روك أونلاين إلى مكتب المحامي عدنان سليمان في مدينة ديريك، والذي أوضح أنه يتم تحديد العمر المسموح به للزواج من خلال المادة رقم 18، والتي تنص على السماح للشاب بالزواج ما إن يتم 18 عاماً، وللفتاة ما إن تتم 17 عاماً، وهذا ما يراه الأستاذ سليمان أنه إجحاف كبير، كون الطرفين لم يصلا بعد للنضوج العقلي والجسدي الذي يسمح لهما بالزواج.

ما إن يتم الشاب عمر الخامسة عشر والفتاة عمر الثالثة عشر، يُسمح لهم بطلب الزواج عند القاضي، وحينها يعود الأمر للقاضي

كما يشير المحامي سليمان إلى أنه يوجد في قانون العقوبات بند معاقبة الوالد حين يقوم بتزويج ابنته القاصر، والذي يحكم عليه القاضي بمدة زمنية يدخل فيها السجن لا تتجاوز شهراً، كما يمكن أن تكون العقوبة مبلغ مالياً يدفعه أب القاصر، أو عمها أو جدها في حال غياب الأب.

ولكنه يوضح وجود ثغرة قانونية في المادة 18 يمكن بموجبها للقاصرين الزواج، إذ ما إن يتم الشاب عمر الخامسة عشر والفتاة عمر الثالثة عشر، يُسمح لهم بطلب الزواج عند القاضي، وحينها يعود الأمر للقاضي الذي يرى من شكلهما أنهما يستطيعان الزواج، فيسمح لهذا الزواج أن يتم.

يؤكد سليمان أن ظاهرة زواج القاصرات منتشرة بشكل كبير في المجتمع الكردي ومجتمعات الشرق الأوسط بشكل عام، كما أن القانون لم يساعد في التخلص من هذه الظاهرة وحماية القاصر من هكذا تجربة يترتب عليها نتائج سيئة تظهر آثارها على المجتمع بشكل عام.

وعن حالات الطلاق، تحدث سليمان عن العديد من دعاوي الطلاق التي تصل إليه بشكل يومي يكون أغلب الأزواج ذو عمر صغير، لكنه نوه إلى أن الكثير ممن تزوجوا بعمر صغير لم يستطيعوا طلب الطلاق بسبب الخجل من المجتمع كي لا يتعرضوا للنقد، لكن مع مرور عدة سنوات يصلون إلى الطلاق بكل تأكيد.

مخاطر طبية ليست في الحسبان

نتيجة لعدم اكتمال نضج جسم الفتاة القاصر، فإن الزواج المبكر من شأنه أن يعرضها لمخاطر التغييرات الفزيولوجية بعد الزواج. هكذا يبدأ الطبيب يعقوب عبد الأحد، الأخصائي بالأمراض النسائية، حديثه عن أهم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الفتاة القاصر بعد الزواج نتيجة الحمل والولادة، ويؤكد أن «الفتاة لا يكتمل نضج جسمها واستعدادها لهذه التغييرات إلا بعد إتمامها عمر الثامنة عشر».

ويقول الدكتور عبد الأحد إنه يستقبل العديد من حالات الحمل والولادة التي تكون الأم فيها ذات عمر صغير، مضيفاً أن «أغلب الحالات لا تكون مستقرة صحياً، وأهم ما يحدث أن القاصر لا تحتمل فترة الحمل تسعة أشهر بسبب عدم قدرة الرحم والبطن على التمدد ليحتمل حجم الجنين، فتلد قبل بلوغ الحمل سبعة أشهر، كما أن القاصر لا تمتلك الثقافة الصحية، وتهمل المراجعة الطبية أثناء الحمل مما يعرضها لمخاطر أكبر».

وينوه عبد الأحد إلى أن أغلب الحالات المماثلة لما تم ذكره تأتي من الريف، ما يوضح أن ظاهرة زواج القاصرات منتشرة في الأرياف أكثر منها في المدن.

الزواج المبكر يحدث آثاراً نفسية سلبية قد تطال المجتمع

حرمان الفتاة من عاطفة الأب والأم في عمر مبكر يمنعها في المستقبل من منح هذه العاطفة لأطفالها

ولا تقتصر سلبيات الزواج المبكر وزواج القاصرات على صحتهن الجسدية فقط، بل تمتد تلك السلبيات لتشمل الاستقرار النفسي للأزواج القاصرين، ما ينعكس على أبنائهم بشكل كبير.

وعن ذلك قالت الأخصائية النفسية، روجين شاويش، في حديث لروك أونلاين، إن «آثاراً نفسية كبيرة تطال الفتاة القاصر بعد الزواج، وقد تظهر نتائجها فيما بعد على المجتمع ككل، فالنقطة الأهم هي أن حرمان الفتاة من عاطفة الأب والأم في عمر مبكر يمنعها في المستقبل من منح هذه العاطفة لأطفالها، انطلاقاً من مبدأ ‹فاقد الشيء لا يعطيه›، كما أن عدم اكتمال النضج العقلي لديها يلعب دوراً في مدى إدراكها أصول تربية الطفل، وبالتالي لن تستطيع أن تربي طفلها على أسس صحيحة، وهذا من شأنه إحداث زعزعة في بنية المجتمع كون هذا الطفل وأمثاله قد يقودون المجتمع ذات يوم».

وتضيف شاويش قائلة: «كما أن مسؤوليات الزواج الكبيرة يخلق لديها ضغوطات نفسية كبيرة، ما يعرضها لحدوث اكتئاب قد يصل بها أحياناً إلى الإصابة بالهيستيريا».

رغم التأثيرات الكبيرة للزواج المبكر وزواج القاصرات والقاصرين على المجتمع، إلا أن تلك التأثيرات تطال أولاً وبشكل كبير الفتاة والشاب المتزوجين، وتنسحب تأثيراتها على الطفل أو الأطفال الناتجين عن هذا الزواج. ولكن يبقى أن لهذه الظاهرة أسبابها، وأن انتشارها لن يواجه عقبات كبيرة ما لم تحارب الأسباب المنتجة لها، كتحقيق الاستقرار في المنطقة وتمكن الفتيات والشبان من العودة إلى الجامعات والدراسة ككل، وكذلك ما لم تقم المنظمات المدنية بنشر الوعي الكافي بين كل أفراد المجتمع بشكل عام، وبين الأبوين بشكل خاص، حول مخاطر هذا النوع من الزواج على أبنائهم، كمحاولة للحد من انتشار هذه الظاهرة.

Leave a Reply