الرئيسية رأي كردستان حين تقرب بين الخصوم التاريخيين!

كردستان حين تقرب بين الخصوم التاريخيين!

شورش درويش
كاتب كردي من سوريا يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية.
مشاركة

من سوء طالع الكرد أنهم وُجدوا في منطقة لصيقة ووسطى بين الإمبراطوريتين الصفوية والعثمانية، فقد سبق أن تقاسمت هاتان الإمبراطوريتان بلاد الكرد وشطرتها نصفين بعد معركة تشالديران 1514، إلا أن الصراع انفضّ بعيد اتفاقية قصر شيرين (والمعروفة أيضاً باسم اتفاقية زوهاب) 1639وتحديد أراضي الجانبين في منطقة الشرق الأوسط، وطبيعي أن يتم تثبيت تقاسم أراضي الأكراد وفقاً لصيغ الغالب والمغلوب بين الجانبين، لكن الخلافات الحدودية استمرت لتستمر معها عمليات التمدّد والتقهقر، إلى ذلك بقيت كردستان موضع صراعات حدودية بين الجانبين إلى أن حلّت اتفاقية سايكس – بيكو المعضلة الحدودية بين الطرفين، ولتنهي بريطانيا في وقتٍ لاحق مسألة النفوذ التاريخي التركي في ولاية الموصل بعيد تشكيلها العراق واحتلاله، والتي كانت حينذاك تعني المنطقة الأعم من كردستان العراق إلى جانب ولاية شهرزور (كركوك) التي لم يكن الاهتمام التركي بها يضاهي ذلك الاهتمام بالموصل، ما دعا القوميين الكرد في كردستان العراق إلى المناداة بوجوب ألّا تعيدهم بريطانيا إلى الحظيرة العثمانية – التركية.

مع انبعاث الحركة القومية الكردية، شكّل الأكراد دون رغبةٍ منهم، المادة الخام التي تصنع منها الاتفاقات بين تركيا وإيران، تلك الاتفاقات الهادفة في جزءٍ منها إلى تطويق ‹الخطر› الكردي، إذ وقعت تركيا وإيران إلى جوار العراق الملكي اتفاقية سعد آباد 1937 ومن ثم انضواءهما في حلف بغداد 1955 (حلف المعاهدة المركزية بعد انسحاب العراق منه) ولعل الموضوع الكردي حاز نصيباً وافراً من تعاون البلدين حينها، والذي مازال يحوز على دائرة اهتمام صنّاع القرار في طهران وأنقرة.

لم تشهد علاقة تركيا وإيران في معظم مراحل الوفاق أو الخلاف استعمالاتٍ جديّة للورقة الكردية في المواجهات بين الطرفين، فلا تركيا تعمل على شد العصب الإيراني عبر الورقة الكردية، ولا إيران تقوم في المقابل بإثارة المشكلة الكردية في تركيا، ما يمنح العلاقة في ما خص موضوع الأكراد معنىً رتيباً ومستقراً لسياسات الدولتين في هذا الخصوص، على عكس أدوار العراق وإيران ودعمهما المتبادل لأكراد العراق وإيران، أو علاقة النظام السوري مع ملف الأكراد خارج حدودها الدولية.

لا يكتفي الأتراك والإيرانيون من مراقبة الكردي في بلديهما، بل يتعدّى الأمر دولتيهما ومحكوميهما لتصبح كل شاردة كردية أو واردة في سوريا أو العراق شأناً إيرانياً وتركياً كذلك، ولعل الأيادي والأظافر التركية ماثلة في المشهد الكردي السوري بما لا يدع مجالاً للشك، وكذلك فإن لإيران لمساتٍ فيه وإن كانت أقل ظهوراً عن التركية، في مقابل حضورٍ وتدخلٍ عميق للطرفين في إقليم كردستان العراق، وما المحاولات المتكرّرة المتمثلة بفرض سياسات وصائيّة على الإقليم إلّا غيضٌ من فيض سياسات الجمهوريتين.

مؤخراً وفي مشهد ليس بالجديد للترتيبات الأمنية والعسكرية، يلتقي رئيس أركان تركيا خلوصي أكار بنظيره الإيراني محمّد باقري، لكن هذه هي المرّة الأولى يكون فيها الاجتماع على هذا المستوى العالي منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية 1979، ما يعني أن هناك خطباً جللاً استلزم هذه الزيارة بين إيران ولاية الفقيه عدوّة الشيطان الأكبر (أمريكا)، وبين تركيا الأطلسيّة التي يصح فيها القول، والحال هذه، أنها وفق المنطق الرسمي الإيراني تمثّل تلميذ الشيطان الأكبر!

الخطب الذي استفزّ الدولتين غالباً لن يكون سوى موضوع استفتاء إقليم كردستان، وما يعنيه من بلوغ الكرد مرحلة جديدة من تحقيق الذات عبر التفكير الجديّ بالاستقلال، على ما يمثّله مفهوم الاستقلال من سلوك غير مسبوق كردياً، ذلك أن الحركة القومية الكردية كانت أقرب منها إلى حركات الحكم الذاتي منها إلى حركات التحرر الوطني من حيث تفكيرها بالاستقلال والتحرر المباشر من الدول الغاصبة لكردستان، إلا إذا استثنينا مرحلة مبكرة من تاريخ حزب العمال الكردستاني حين تبنّى «تحرير وتوحيد كردستان» والتي سرعان ما تراجع عنها لصالح أفكار الحكم الذاتي أو الأفكار الدائرة في فلكها .

يقلق الصعود القومي الكردي كلاً من تركيا وإيران، ليس في الأمر مبالغة فهذا ثابت في سياسة البلدين، لكنه في المقابل يقرّبهما من بعضهما، لا بل قد يساهم هذا الصعود في ردم الهوّة الواسعة بينهما والممتدة من العراق إلى سوريا وصولاً إلى الخلافات السياسية والاقتصادية ومساحات التنافس المذهبية (السنيّة – الشيعية). تدخل إيران المباشر في الملف العراقي – الكردي قد يستفز الأمريكان، أبرز المؤثرين في عراق ما بعد 2003، إذ مهما بلغ وزن إيران وثقله داخل المشهد العراقي فإنه لن يقدر على عرقلة المشروع الكردي بمفرده، أو لنقل أنه قد يستصحب عداءً كردياً مباشراً لإيران، لذا سيكون جدوى التعاون مع تركيا في هذا المضمار أكثر نجاعةً، في المقابل تعرف تركيا أن لا ثقل لها داخل العراق لاسيما وأن القوى السنيّة في أسوأ أحوالها، وبالتالي يصبح احتياجها لـ «الزميلة» إيران حاجةً بالغة الأهمية في نفس السياق.

إذن، وحّد الموقف الكردي من الاستفتاء (فالاستقلال) إيران وتركيا مجدداً، وجعل الخصوم التاريخيين يتفقون فيما بينهم على تهديد كرد العراق بكلامٍ مبطّن وآخر علني. يحدث ذلك على الرغم من العلاقات الجيّدة التي نسجتها قيادات الإقليم مع إيران وتركيا منذ العام 1991، فضلاً عن الوشائج الاقتصادية مع الجارتين، وعدم تهديد الإقليم الأمن الداخلي للدولتين. وفي إزاء الموقف الموحّد للأخوة الأعداء، هل يصحّ القول بأن الإصرار الكردي على الاستقلال سيكون بحاجة إلى أهم دعاماته ألا وهو وحدة الموقف الكردي من الاستقلال؟ غالباً، تذهب الإجابة صوب قول «نعم»، إذ لابد من تعزيز الجبهة الداخلية وتوحيدها، فالاستقلال، حتى وإن لم يتحقق في الآجال القريبة، إلا أن مجرد الإصرار الكردي عليه سيكون حجراً يرمى إلى داخل بركةٍ راكدة يحرك مياهها قدر المستطاع.

Leave a Reply