شاركها

حمزة همكي

وأنت تمر في الطريق الرئيسي إلى مدخل القرية الشمالي ستجد رشاش بي كي سي يبرز فوهته من على سطح الكنيسة التي تشرف على قرية قسروك من جهة الشرق، وتحديداً في زاوية الجهة الشرقية من المبنى ستجد السلاح مغطى بأكياس من الكتان المخصص لتعبئة الحنطة، لكن فوهة الرشاش لم تجد سبيلاً إلى الاختباء عن أعين المارة.

دار عبادة تحول إلى مقر عسكري

كان ذلك قبل نحو شهر عندما مررنا بالقرية إلى عمق الجنوب والشرق من بلدة تربه سبي، حيث تتواجد غالبية القرى العربية، وذلك في زيارة إلى قرية عتوية. تفاجئنا حينها بمشهد عناصر من قوات الصناديد يضعون حاجزاً قبالة باب الكنيسة الغربي بأمتار. يوقفون الغادي والرائح، يسألونه عن وجهته وأسئلة اعتادت الحواجز الأمنية سؤالها لكل شخص يمر بها.

في طريق العودة توقفنا عند الحاجز وطلبت من العناصر أن ندخل الكنيسة لالتقاط بعض الصور، لكنهم رفضوا ذلك إلى أن يأذن المسؤول عنهم. حضر المسؤول، لكنه أبى تصوير عناصره وسمح بالتقاط صور لساحة الكنيسة ومبناها، على ألا تظهر معالم توحي بوجود عسكر في المكان.

بدا عليه وعلى العناصر الموجودين في حرم الدير علامات عدم الارتياح بوجود الكاميرا. ثم بدأ أحمد عيادة، وهو المسؤول عن العناصر هناك، بالحديث عن سبب اتخاذهم المكان مقراً «بناءً على طلب العوائل المسيحية»، وكيف أنهم حافظوا على الكنيسة من الخراب، وتحدث عما تعرضت له من «تخريب على أيدي عناصر جبهة النصرة أثناء تواجدهم في المنطقة في العام 2013».

قسروك قرية صغيرة تقع جنوب الطريق الدولي بنحو 10 كيلومترات. تتبع إدارياً لمدينة تربه سبي. كان قد أطلق عليها النظام السوري اسم (العرين). تسبقها من جهة الشمال بعد الطريق الدولي جنوباً قرية عمارات تحتاني بنحو خمسة كيلو مترات، ومن جهة الغرب قرية حسو رطلة، ومن الشرق رجم عيَّار، ومن جهة الجنوب قرية خربة البير، وهي واحدة من عدة قرى مسيحية في تلك المنطقة المترامية الأطراف، لا يتجاوز عدد بيوتها عشرين بيتاً. كان سكانها قبل الأزمة في سورية غالبيتهم من العوائل المسيحية وعائلة واحدة عربية من عشيرة الشرابية كانت تقوم برعي مواشي القرية في السابق، وازداد عدد أفرادها في السنوات الأخيرة حتى وصلت إلى نحو عشر عوائل مستقرة هناك.

خلاف بين أصحاب الكنيسة

نستطيع أن نخرجهم غداً إذا شئنا، لكننا لن نفعل ذلك الآن. نستطيع غداً أن نشتكي لدى حميدي دهام الهادي وينتهي الموضوع

بعد ذلك بأسبوع استقليت دراجة نارية مصطحباً معي دليلاً له معرفة وخبرة بتلك المنطقة والقرى. وصلنا القرية بعد أن قطعنا مسافة نحو 50 كيلومتراً ودخلنا هذه المرة بين بيوت القرية. قادنا الدليل خليل طاهر، وهو رجل أربعيني، إلى منزل لعائلة مسيحية له معرفة قديمة بها. لم نجد في المنزل سوى عجوزاً لم نحصل منها على شيء يخدم ما جئنا لأجله لكنها قالت: «لا مكان للصلاة في الكنيسة!».

بعدها اقتربنا من البيوت المقابلة للدير ودخلنا منزلاً لعائلة مسيحية أخرى حاولنا التقاط بعض الصور لكننا لم نفلح هذه المرة أيضاً.

ثم أكملنا المسير بين البيوت، صادفنا رجلاً مسيحياً يجلس أمام باب منزله ينفث الدخان من نرجيلته، جلسنا عنده وسألناه عن وضع الكنيسة فقال: «كما ترون فعناصر الصناديد يقيمون فيها منذ سنوات».

وأضاف: «لسنا راضين عن ذلك، لكننا لا نريد إثارة المشاكل معهم»، وقال: «نستطيع أن نخرجهم غداً إذا شئنا، لكننا لن نفعل ذلك الآن. نستطيع غداً أن نشتكي لدى حميدي دهام الهادي وينتهي الموضوع»!

ووفقاً للمعلومات التي حصلنا عليها من مصادر مسيحية متطابقة، فإن الخلاف قائم بين تيارين أو جهتين من المسيحيين أنفسهم حول المطالبة بخروج الصناديد من الكنيسة أو عدمه؛ فحزب الاتحاد السرياني من المطالبين بخروجهم، إلا أن شخصيات اجتماعية من القرية وأخرى دينية يفضلون بقاء القوات فيها، إضافة لوجود وجهات نظر تبدو غير واضحة من مؤسسات مسيحية أخرى مثل المجلس الملي الخاص بطائفة السريان الأرثوذكس في مدينة قامشلو. ويأتي هذا الاختلاف بحسب المصادر منسجماً مع انقسام المسيحيين في منطقة الجزيرة بين مؤيد للنظام السوري وبين مؤيد للإدارة الذاتية.

وتتبع كنيسة قسروك من الناحية الروحية للأب الخوري سمعان عيسى، وهو كاهن كنيسة السيدة العذراء في تربه سبي، وتعود إليه المسؤولية الروحية لكنائس ريف البلدة كذلك.

شخصيات اجتماعية من القرية فضلوا بقاء القوات فيها

ويقول الخوري في حديث لروك أونلاين: «لدينا علاقات قوية مع الشيخ حميدي دهام، ونحن لم نطلب من قواته الخروج من الكنيسة، ولو طلبنا منهم الخروج لخرجوا لذا من يطلب منهم أن يخرجوا فليأتوا إلي وسنذهب سوية إلى الشيخ».

ويتخذ المجلس الملي موقفاً رافضاً لتحويل دور العبادة إلى مقرات عسكرية من حيث المبدأ، وفق ما تحدث به إلينا أحد المسؤولين في المجلس، وهو موقف يتفق فيه معه عدد من رجالات الدين المسيحي الذين التقينا بهم أو تحدثنا معهم عبر الهاتف وفضلوا عدم ذكر أسماءهم.

في وقت يتجه الرأي الرسمي لحزب الاتحاد السرياني، وهو أحد أحزاب الإدارة الذاتية ولديه قوات أمن خاصة به باسم السوتورو، نحو اتخاذ موقف وسط وعدم إثارة مشكلات مع أطراف سياسية أو عسكرية كما مسألة الكنيسة.

وفي حديث لروك أونلاين، قال العضو في الحزب ومسؤول لجنة أملاك الغائبين فيه بمنطقة تربه سبي، جورج يوسف: «ذهبنا قبل نحو ثلاثة أشهر إلى قيادة الصناديد بوفد رسمي من الحزب والتقينا بالشيخ مانع (أحد أبناء حميدي دهام) وطلبنا منه أن تخلي قوات الصناديد الكنيسة فقبل بذلك على الفور».

وأضاف يوسف: «لكن شخصيات اجتماعية من القرية فضلوا بقاء القوات فيها». مشيراً «نحن في الحزب السرياني موقفنا وسط، فما دام أهالي القرية يريدون منهم البقاء فلا مانع لدينا».

في قصر حميدي دهام الهادي

بعد أن قررنا الذهاب للمرة الثالثة إلى قسروك، توقفنا عند الكنيسة وسألنا عناصر الحاجز عن المسؤول، لكن لم تمضي دقائق حتى وصل أحمد عيادة، ثم أخبرناه برغبتنا في رؤية الشيخ بندر حميدي الهادي، قائد قوات الصناديد. فقال: «هو في القصر اذهبوا إليه ستجدونني هناك أيضاً».

عندما تصل إلى قرية بيلونة التي تفصلها عن قرية تل علو سكة حديدية، ستجد قصراً كبيراً محاطاً بحراسة أمنية مشددة، حواجز إسمنتية مطلية بألوان راية الصناديد الحمراء، عناصر من قوات الصناديد خارج السور وداخله.

نحن نريد أن يكون انتصار قوات الصناديد انتصاراً أخلاقياً

طلبنا من حرس المدخل الشرقي مقابلة الشيخ بندر. دخل أحدهم ساحة القصر ثم عاد إلينا وطلب منا الدخول على أن ننزع شماغاً (يشمر) من على رأسنا كنا قد احتمينا به من أشعة الشمس الحارقة «لأن الشيخ لا يحب هذا النوع من اليشمر، فهو خاص بالسعوديين».

وصلنا إلى مضافة الشيخ حميدي وكان موجوداً في تلك الأثناء. وجدناه يجلس في صدر المجلس على عادة شيوخ القبائل. كان هناك نحو ثلاثين شخصاً بالزي العسكري ويجلس الشيخ بندر في منتصف المضافة مع شخص آخر.

سألنا الشيخ حميدي بخصوص الكنيسة وتواجد قواته فيها فأحالنا إلى ابنه بندر القائد العام للقوات وقال جملة واحدة: «نحن نريد أن يكون انتصار قوات الصناديد انتصاراً أخلاقياً».

عدم وجود شكوى رسمية بإخلاء الكنيسة

بندر بن حميدي دهام الهادي، شاب ثلاثيني يقود قوات الصناديد منذ تأسيسها في العام 2013، ويبلغ عدد قواته وفقاً لمصادر متطابقة نحو 4500 مقاتل معظمهم من أبناء عشيرة شمر، وتسيطر هذه القوات على قرى منطقة تل كوجر وبعض قرى منطقة تل حميس.

وعن وجود بعض عناصره في حرم كنيسة قسروك يشرح لروك أونلاين قائلاً: «قبل نحو أربعة أعوام جاءنا مسؤولون عن الكنيسة وطلبوا منا أن نقوم بحمايتها، فقمنا بذلك بعد أن ألحوا علينا بطلبهم، وقامت عناصرنا بإعادة تأهيل مرافقها وترميم ما تضرر منها في الفترات السابقة».

وأضاف: «إلى الآن لم يأت أحد من المسؤولين المسيحيين، سواء رجال الدين أو أي شخص له علاقة بالكنيسة، إلينا ليطلب منا الخروج منها، ولو طلبوا منا ذلك لفعلنا».

جعل دور العبادة، سواء كانت مساجد أو كنائس، مقرات عسكرية أمر مرفوض لدى قوات سوريا الديمقراطية قولاً واحداً

وشدد الهادي بالقول: «هذا هو الواقع بخصوص الكنيسة، أما إذا كان هناك من له غايات شخصية فهذا أمر آخر. ونحن مستعدون أن نخرج منها عناصرنا وهذا أمر طبيعي فيما لو طلب منا المسؤولون عن الكنيسة، سواء بناء على تقديم شكوى رسمية أو حتى شفهية، بشرط أن لا يكون الأمر دعوة من شخص معين له غايات شخصية معينة».

من جانبه قال مدير مركز الإعلام في قوات سوريا الديمقراطية مصطفى بالي في حديث لروك أونلاين إن «جعل دور العبادة، سواء كانت مساجد أو كنائس، مقرات عسكرية أمر مرفوض لدى قوات سوريا الديمقراطية قولاً واحداً».

وأضاف بالي: «مسألة كنيسة قسروك لا أملك حولها معلومات دقيقة. لكن لم نتلق في قوات سوريا الديمقراطية إلى الآن أية شكوى رسمية من قبل رجال الدين المسيحي أو مؤسسة مسيحية معينة يطالبون فيها بخروج تلك القوات من الكنيسة».

ما المانع إذاً في أن يترك هؤلاء العناصر الكنيسة بكل الأحوال؟ في آخر مرة زرنا القرية كان لا يزال المشهد على حاله: حاجز أمني على باب الكنيسة، ورشاش يعلو المبنى، وعناصر بالزيِّ العسكري يدخلون ويخرجون منها، إلى جانب سيارات مخصصة لنقل العسكر تقف عند الباب ثم تمضي سريعاً لشأن عسكري آخر.

بدون تعليق

اترك رد