الرئيسية رأي يوم الاستفتاء: الحلم الذي طال انتظاره

يوم الاستفتاء: الحلم الذي طال انتظاره

مشاركة

لم يأتوا من الفضاء بأطباق طائرة حطت على الأرض، ولم يغتصبوا قمة جبل ملاذاً لهم، بل وجودهم ضارب في أرض أسلافهم، ولهم الحق كل الحق أن يكون لهم كيانهم المستقل الذي يعبر عن وجودهم.

لقد تلمس الكرد تمايزهم القومي قبل أيٍ من سكان المنطقة، فالعرب انصهرت قوميتهم في الخلافة الإسلامية وباتوا يقاتلون من أجل بقائهم تحت راية السلطنة العثمانية التي حكمت باسم الدين، أما الكرد، وبسبب وجودهم في مناطق حدودية لعدة دول، فكان لذلك أثراً في دخولهم صراع الإمبراطوريات آنذاك.

من محاولات الأكراد الأولى لتمايزهم القومي كان في القرن التاسع عشر في عام 1849 حين حاول بدرخان من عشيرة عزيزان بجزيرة بوتان أن يُشكل إمارة وحكماً ذاتياً في وجود السلطنة العثمانية، بعد أن وقف في وجه قطاع الطرق، إلا أن حلم بدرخان لم يدم، بل تبدد بسبب الصراعات الكردية – الكردية، وسطوة السلطنة العثمانية التي ساهمت بإخماد هذا الحلم. حاول البدرخانيون في عام 1880 الانتقام لبدرخان، وقاموا بثورتهم ضد السلطنة العثمانية.

ولا شك أن بعض العشائر الكردية قد لعبت دوراً سلبياً في تشكل الوعي القومي، إذ كان الصراع بين هذه العشائر قائم على الولاءات، فثمة عشائر موالية للفرس ومنها ما هو موالٍ للإمبراطورية العثمانية. وكانت هذه الانقسامات سبباً في تباين الرؤية لوجودهم، منهم من كان يريد الاستقلال التام عن السلطنة العثمانية، ومنهم من كان يريد فقط حكماً ذاتياً ضمن السلطنة.

بقيت الحال كذلك إلى أن حطت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وجاءت معاهدة سيفر في العاشر من آب 1920. كان الاتفاق بين قوات الحلفاء وممثلين عن الحكومة التركية العثمانية، إذ تم الاتفاق على أن تتنازل السلطنة عن كامل الأراضي غير التركية ليتم إدارتها من قبل الحلفاء ومن بنود هذا الاتفاق:

  • حصول منطقة الحجاز على الاستقلال
  • حصول أرمينيا على الاستقلال
  • حصول كردستان على الاستقلال حسب البنود 62 و63 و64 من الفقرة الثالثة، والسماح لولاية الموصل بالانضمام إلى كردستان استناداً للبند 64، والذي نص على:

«وإذا ما طلب السكان الأكراد في المناطق المحددة في المادة 62 في غضون سنة واحدة من تاريخ تنفيذ هذه الاتفاقية من مجلس عصبة الأمم وأعربت غالبية سكان تلك المناطق عن رغبتها في الاستقلال عن تركيا ، وإذا ما ارتأى المجلس أن هؤلاء السكان مؤهلون للاستقلال وأوصى بمنحهم إياه توافق تركيا من الآن على قبول مثل هذه التوصية ، وتنازل عن جميع حقوقها وامتيازاتها في تلك المنطقة ، وستكون تفاصيل هذا التنازل موضوعا لاتفاقية خاصة تعقد فيما بين تركيا والدول الحليفة الكبرى . وإذا تم التنازل ، لن تعترض الدول الحليفة الكبرى إذا ما سعى الأكراد الذين يقطنون في ذلك الجزء من كردستان والذي يقع حاليا ضمن ولاية الموصل لأن يصبحوا مواطنين في الدولة الكردية المستقلة حديثاً.»

إلا أن معاهدة لوزان الثانية في الحادي عشر من آذار 1923 بددت أحلام الكرد في وجودهم بكيان مستقل كسائر شعوب المنطقة، وتقاسمت القوى العظمى مناطق الانتداب وفق مخطط سايكس بيكو ولم يعد الحلم مكاناً للتحقيق، وقد ساهم في ذلك تباين الأكراد في رسم حدودهم الإدارية وشكل الحكم الذي يطمحون، لكن لا يعفِ ذلك خيانة بريطانيا لوعودها للكرد، فقد جاء بيتر كوكس في عام 1920 لبغداد، وبنيِّة إقامة حكومة عربية، وعليه عُدل قانون الانتخابات بحيث تنصلت بريطانيا من وعودها للكرد بعدم ضم لواء السليمانية إلى العراق، لكن تشرشل، وزير الخارجية البريطانية آنذاك، تخلى عن فكرة إقامة كردستان الجنوبية، وقرر الإبقاء على الكرد كأقلية في العراق مع منحهم بعض الحقوق، والاكتفاء بالوعد لهم مستقبلا بحكم ذاتي، ولذر الرماد في العيون، صدر البيان المشترك الذي صاغه بيتر كوكس دون علم الملك العراقي فيصل والذي جاء فيه:

«إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية تعترفان بحق الأكراد القاطنين ضمن حدود العراق في تأسيس حكومة كردية ضمن الحدود، وأن الحكومتين تأملان بأن تتوصل الأطراف الكردية المختلفة -وبأسرع ما يمكن- إلى اتفاق فيما بينهم حول شكل تلك الدولة وحدودها وإرسال وفود مسؤولة إلى بغداد لمناقشة علاقاتهم الاقتصادية والسياسية مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية» .

وقد تخوف الملك فيصل من هذا البيان إلا أنه تم طمأنته بأن هذا البيان لاشيء ولا قيمة له بل هو للأكراد كي يتفقوا فيما بينهم. إلا أن الكرد لم يتوصلوا لاتفاق فيما بينهم، إذ وجد قسم منهم مصلحته في البقاء تحت سلطة التاج العراقي، وكانوا أكثر من أصحاب الحلم القومي، وفي كانون الأول من عام 1922 كانت الصفعة الكبرى للكرد إذ جاء في بيان مشترك لسلطة الانتداب البريطاني والحكومة العراقية: «إن حكومتي جلالة الملك البريطانية وحكومة العراق بريئتان تماماً من أي التزام قد يسمح بإنشاء دولة كردية، إثر الإخفاق الكامل للعناصر الكردية شتى لغاية لحظة هذا البيان، من مجرد محاولة التوصل إلى اتفاق فيما بينهم أو تقديم أية مقترحات محددة».

صحيح أن القادة الكرد مقصرون نتيجة عدم كفائتهم السياسية، مثلهم مثل سائر شعوب المنطقة، ولذلك كان الانتداب والوصاية على حكوماتهم، إلا أن ذلك لا يعني عدم إجرام بريطانيا بحق الأكراد عندما خانتهم في إيجاد كيان لهم، ولعبت ذلك من خلال مصالح إقليمية واستعمارية شتى، فاتقفت حكومات الدول الاستعمارية مع حكومات العراق وتركيا وايران على منع تواصل الكرد فيما بينهم وفتح مجالات أوسع لطموحاتهم القومية.

وبعد نضالات خاضها أكراد العراق، تجسدت تضحياتهم في حصولهم على اعتراف بوجودهم، وتجلى ذلك في قانون الحكم الذاتي الصادر برقم 33 لعام 1974 الذي أقره البرلمان العراقي وصادق عليه الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر (رئيس مجلس قيادة الثورة )، فلم يكن هناك تعاطياً جدياً مع المسألة الكردية في العراق إلا بعد سلطة ثورة 17 تموز 1968، وتكلل ذلك بالقانون السالف الذكر والاعتراف بوجود القومية الكردية في العراق إلى جانب القومية العربية، وعليه تم منحهم حكماً ذاتياً، وما يستتبع ذلك من خطوات إدارية وثقافية وسياسية واقتصادية مع حكومة المركز.

إلا أن ذلك لم يمنع السلطة العراقية من محاولات الانقضاض على الكرد، إذ كانت ولا زالت كركوك المدينة العائمة على النفط محط خلاف منذ الانتداب البريطاني ليومنا هذا.

اليوم، أقر الرئيس مسعود البرزاني قانون الاستفتاء الذي اتخذه برلمان الإقليم ليتم في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر من عام 2017، أي أن أياماً معدودة تفصلنا عن هذا الاستحقاق في استفتاء سكان الإقليم على الاستقلال، وليس الاستقلال نفسه، فقد ثارت ثائرة خصوم الكرد في إيران وتركيا والعراق وباقي البلدان العربية ممثلة بجامعتها، وبات التهديد والوعيد. هي حكومات من شأنها أن تتخذ الموقف الذي تراه في مصلحتها الاستراتيجية والقومية، طبعاً هي ليست محقة بذلك، إلا أن الموقف المؤسف من المثقفين العرب والترك، والتنصل للقيم التي يتنطع فيها جميعنا في حق الشعوب بتقرير مصيرها، وباتوا يشحذون أقلامهم ضد هذا الحلم لأسباب واهية ومختلفة، وكذلك موقف الدول الأوربية الموارب، ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية التي تجد أن هذا الحق ليس أوانه لأنه يشق صف التحالف الدولي في محاربة الإرهاب، الذي ساهمت في صناعته هذه الدول بالاعتماد على حماقة أهل المنطقة ككل. فهل للحق والمطالبة به أو الوصول إليه من مواعيد؟

ألا يستحق الكرد أبناء قوميتنا الشقيقة مباركة لهذه الخطوة التي سيتخذها أبناء إقليم كردستان في تحقيق حلمهم الذي طال انتظاره ويحققوا وجودهم في أرض أسلافهم كسائر دول المنطقة؟ وأياً كان القرار الذي يتخذوه هو خيارهم أولاً وآخراً، وتكفله كافة شرائع الأرض.

Leave a Reply