الرئيسية رأي نهاية العراق البريطاني

نهاية العراق البريطاني

حسين جمو
كاتب كردي من سوريا متخصص بالشؤون الكردية في الشرق الأوسط، له العديد من المقالات في المواقع والصحف الكردية والعربية، كما نشر عدة أبحاث حول القضية الكردية في تركيا وسوريا
مشاركة

انتهى «العراق البريطاني» مع نجاح الاستفتاء على استقلال إقليم كرستان. وبات الإعلان النهائي لجمهورية كردستان مسألة إجرائية قد تستغرق شهوراً أو عامين بحسب رئيس الإقليم مسعود بارزاني الذي يدرك أن عدم إعلان الاستقلال سيجر الكرد إلى مسار شبيه بمسار أوسلو الفلسطيني-الإسرائيلي.

تقاطعت في الأيام التي سبقت الاستفتاء مواقف أعداء و«أصدقاء» كردستان في عدم تأييد الخطوة الكردستانية. لكن كان هناك خلاف تفصيلي حاسم، فـ«الأعداء» أجمعوا على ضرورة إلغاء الاستفتاء، بينما دعا «الأصدقاء» إلى تأجيله.

معركة كردستان بدأت للتو على عدة مستويات. فهناك الحصار الاقتصادي الذي أعلنته إيران وتركيا، وإغلاق أنابيب النفط، وتلميحات تركية بحجز مستحقات النفط في البنوك التركية، وما إلى ذلك من إجراءات متوقعة من دولتين فشلتا في بناء نموذج الدولة الأمة الضامنة لحقوق كل مكوناتها. فإيران دولة قومية طائفية، وتركيا ما زالت أيديولوجيتها تستند إلى المرشد الأسطوري للقبائل التركية من رحلة التيه والضياع الكبير، «الذئب الأغبر». في الجنوب هنالك بغداد التي تستعد قواها السياسية بالإجماع لظهور المهدي المنتظر. قبل 2003، حكم العراق من اعتبروا أنفسهم امتداداً لـ«الإسلام العربي» الذي يعترف بجميع المكونات التي تقبل التخلي عن هويتها.

انخرط الكرد في تحرير العراق من صدام حسين، وشاركوا في الحكومات التالية لتثبيت أركان الحكم الجديد، وبالمعنى الأدق، ساهم الكرد في تثبيت الشيعة في الحكم منذ عام 2003 على مبدأ الشراكة في العراق الاتحادي الذي كانت ترفضه غالبية القوى السنية. بعد تمكين الشيعة لم تعد تكفيهم بغداد، ثم سقطت الموصل عام 2014 فشارك الكرد والشيعة في تدمير داعش على امتداد مناطق التواجد السني. بالنتيجة بات العرب السنة بعد سيطرة الجيش العراقي والحشد الشعبي «بلا أرض ولا جمهور»، على حد وصف النائب الشيعي حيدر الملا، بينما بات نصف العراق (مناطق العرب السنة) أرضاً للشيعة، لكن بلا جمهور.

يضاف إلى ذلك أنه لا توجد رؤية سياسية لدى ممثلي العرب السنة قابلة للشراكة، وخاض إقليم كردستان تجربة التقارب معهم في خطوة خطيرة هددت بإقحام الكرد في الصراع الطائفي الذي لا يعرف الكرد أدبياته، ولن يكونوا قادته مهما حاولوا. بل إن هذا الصراع يهدد بنية القومية الكردية المتنوعة دينياً وطائفياً.

ما الذي يبقي الكرد في هذا العراق إذاً؟

ساسة عرب سنّة ليس لديهم أي دافع حقيقي لبناء دولة وطنية سوى إزاحة الشيعة بالمكر أحياناً، وفتح الباب أمام الإرهابيين أحياناً أخرى. وساسة شيعة بعضهم يريد الحكم وفق الأغلبية السياسية، وعلى رأسهم نوري المالكي، وبعضهم لا يريد دولة تتكون فقط من عربَيْ العراق (الشيعة والسنة). وفوق ذلك تشكيلات الحشد الشعبي التي تقاتل من أجل الحسين بن علي.

اتفقت الإرادة السياسية للكرد على خيار الاستقلال عن أحزاب «علي ومعاوية». وإذا كان يجب طرح مساءلة حول خيار استقلال إقليم كردستان فيجب أن توجه إلى الدولة التي فشلت في بناء أجهزتها، والمفككة سياسياً، والفوضوية عسكرياً وأمنياً. لا شيء يدعو الكرد إلى البقاء في هذا الجسد السياسي المصطنع الذي يتمزق على أيدي من يدعي ملكيته، وتتقاسمه إيران من جهة وتركيا من جهة أخرى.

المواقف الدولية التي سبقت الاستفتاء كررت مقولات «الدولة الوطنية»، والبعض أعاد تكرار مفهوم «المواطنة» مجدداً. والواقع أن الدولة الوطنية ودولة المواطنة هو ما يسعى الكرد إلى تأسيسه في جمهورية كردستان. وملامح الدولة الوطنية (لا القومية) هو النموذج الذي سيصدّره الكرد إلى النخب السياسية المجاورة التي تستخدم هذا المفهوم تكتيكاً للصهر القومي وممارسة الإبادة الثقافية. دولة المواطنة التركية تفتخر بفتح الباب أمام الكرد لتولي المناصب، على شاكلة رئيس الوزراء بن علي يلدريم، الكردي. في سوريا لدينا نماذج لدى كل من المعارضة والنظام في صناعة أكرادهما الذين يثبتون وطنيتهم عبر مباركة الحرب على الكرد.

في إقليم كردستان صدرت قبيل ساعات من الاستفتاء الوثيقة السياسية لضمان حقوق المكونات القومية والدينية. في بندها الأول: الإقرار بالتعددية القومية والدينية والمذهبية والثقافية للمجتمع الكردستاني. وضمان الحقوق القومية والثقافية والادارية للتركمان والكلدان السريان الآشوريين والعرب والأرمن، بدءاً بالإدارة الذاتية والحكم الذاتي واللامركزية وصولاً إلى الفيدرالية. وضمان حقوق المكون الإيزيدي بالادارة الذاتية والحكم الذاتي وصولاً إلى الفيدرالية، وينظم ذلك بقانون. واعتبار اللغات الكردية والتركمانية والسريانية والعربية والأرمنية لغات رسمية في كردستان. وأقرت الوثيقة تغيير العلم والنشيد الوطني كي يرمزا إلى جميع المكونات. وهي رؤية تكاد تتطابق مع مشروع الإدارة الذاتية في روجآفا من حيث المبادئ الأساسية.

خمس لغات رسمية في جمهورية كردستان المقبلة التي لا يتجاوز عدد سكانها 7 ملايين نسمة. بينما في نظريات المواطنة السورية والعراقية والتركية والإيرانية ما زال السائد مقولة الأطفال: إذا منحنا الكرد لغة فسيطالب الأرمن والتركمان بذلك أيضاً.

في عام 2005 صوّت الكرد على دستور العراق في محاولة أخيرة لإصلاح «العراق البريطاني» عبر تعديل اللاعبين مع الإبقاء على الهيكل الأصلي. لو نجح «العراق المعدل» لوفر ذلك على الكرد خوض مخاطر الاستقلال بكل ما فيها، وهم مستعدون لدفع الثمن مهما كلف الأمر إلى أن يتحقق، ولكن ثبت أن تجربة «العراق المعدّل» كانت فاشلة أيضاً.

إذا عدنا قليلاً إلى الوراء فإن العراق البريطاني دولة غير شرعية وتأسست على مصادرة بريطانيا رأي الكرد. في عام 1921 عقد وزير المستعمرات البريطاني، ونستون تشرتشل، مؤتمراً في القاهرة وضع أسس الدولة الجديدة. في هذا المؤتمر انقسم الموظفون البريطانيون إلى تيار يقوده الضابط المتعاطف مع الكرد، نوئيل، وتيار آخر تكتل خلف المندوب السامي البريطاني، برسي كوكس، ومعه أشد الكارهين للكرد لأسباب مجهولة، الميجر سون. المشاعر الشخصية لهؤلاء الضباط تركت الكرد بلا دولة. الواقع أن البريطانيين سوّقوا لفكرة استعمارية خاطئة ومخادعة للغاية، وهي أن عدم توحد الكرد وراء مصائبهم. وإذا فتحنا صفحات بغداد ودمشق في ذلك الحين سنجد الكرد أكثر توحداً مقارنة بعواصم الدول التي نالت نصيبها من كردستان، والنخب الكردية كانت تضاهي نخب دمشق وبغداد وتتفوق عليها. ممثلو الكرد في مؤتمر الصلح بباريس كانوا أكثر ثقافة ومرتبة من ممثلي كل الوفد العربي هناك.

تحولت المقولات البريطانية الخادعة إلى «قضاء وقدر» يؤمن به قسم كبير من الكرد حول أن مسؤولية بقاء الكرد بلا دولة إنما تعود إلى الكرد أنفسهم وليس إلى بريطانيا التي أخلت بكل تعهداتها في إقامة حكم ذاتي كردي تمهيداً للتصويت على الاستقلال.

في ذلك العام، 1921، صوت مؤتمر القاهرة على تعيين فيصل بن الحسين ملكاً على العراق. رفضت مدينة السليمانية كلياً المشاركة في التصويت. وشارك 4% فقط من أبناء كركوك في الاستفتاء المذكور. وقبل ذلك نفى البريطانيون الشيخ محمود الحفيد إلى الهند لضمان تمرير مشاريعهم في غيابه. وفي عام 1925 أجرت لجنة الموصل تصويتاً بخصوص مصير الولاية العثمانية السابقة، بسؤال تضمن مصادرة لخيارات الكرد. فقد طلب من الكرد الإجابة عن سؤال: هل تفضل العراق أم تركيا؟ واقتصر التصويت على نخبة من الآغوات اختارتها بريطانيا بعناية لتمرير مخططها في ضم كردستان، ومن أهدافها غير النفطية وراء ذلك: ضمان عدم وصول الشيعة للحكم بحسب غرترود بيل، سكرتيرة المندوب البريطاني في العراق.

هذا «العراق البريطاني» لم يحظَ بأي شرعية كردستانية منذ تأسيسه، وهي مثلها مثل دول المنطقة الأخرى، كيان غير منطقي لدى المقارنة بين أيديولوجية الكيان مع مكوناته. جمهورية كردستان ليست فقط إعلاناً للاستقلال، بل إنهاءً لـ«العراق البريطاني» الذي تأسس بغارات سلاح الجو البريطاني على فقراء الكرد وزعمائهم.

الوداع للعراق البريطاني… ومرحباً بالعراق الأميركي.

Leave a Reply