الرئيسية رأي مقاطعة انتخابات روجآفا: هل ينهي المجلس الكردي دوره السياسي؟

مقاطعة انتخابات روجآفا: هل ينهي المجلس الكردي دوره السياسي؟

458
مشاركة

داريوس الدرويش

أعلن المجلس التأسيسي للنظام الفدرالي الديمقراطي في أعقاب اجتماعه في رميلان عن قانون الانتخابات المقسم على ثلاث مراحل: انتخابات الكومينات، تليها انتخابات الأقاليم، ثم انتخابات المجلس التشريعي العام للنظام. ونفذ المجلس التأسيسي انتخاباته الأولى (الكومينات) يوم 22 أيلول/سبتمبر، رغم المقاطعة التي دعا إليها المجلس الوطني الكردي قبل الانتخابات بيومين، والتي يحتمل أنها ستشمل الاستحقاقات الثلاث.

يعتمد المجلس الكردي في موقفه هذا على اعتبارين حاسمين حكما قرارات مشابهة للمجلس فيما سبق، ومن المرجّح أنهما حكما هذا القرار أيضاً:

الاعتبار الأول هو أنّ اعتراف المجلس بشرعية السلطة القائمة في روجآفا – شمالي سوريا لم يكن متعلّقاً فقط بمسألة الانتخابات، بل لطالما أظهرت بيانات المجلس ومواقفه السياسيّة أن الأمر متعلق بمسألة المحاصصة العسكرية والسياسيّة والماليّة بين الطرفين، فمطالب المجلس عادة ما تدور حول تقاسم السلطة عبر الاتفاقات وليس الانتخابات، وإعادة بيشمركة روج (التابعة للمجلس الكردي) إلى روجآفا، وهذا ما كان جوهر اتفاقيات أربيل ودهوك ونتائجهما، من تأسيس الهيئة الكردية العليا (غير المنتخبة) التي حلّت لاحقاً، إلى الخلاف حول إدارة معبر سيمالكا وعائداته الماليّة، وانتهاءً بمحاولة تأسيس المرجعية السياسية الكردية (غير المنتخبة أيضاً) التي فشلت في مهدها. لم يحدث في أيّ مرّة خلال تاريخ الخلاف بين المجلس والحركة الأوجلانية، التي تمسك بتلابيب السلطة في روجآفا، أن دعاها المجلس الكردي إلى إجراء انتخابات شفافة، بل لم يطعن حتى في شفافية ونزاهة انتخابات البلديات في عفرين عام 2015، ولم يعلن في هذا الاستحقاق عن أي أسباب موجبة للرفض مرتبطة، ولو بشكل غير مباشر، بنزاهة الانتخابات ولا بالديمقراطية، بل كانت موجباتها مرتبطة بالاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق! أي بما لا يتعلّق بسياق العمليّة السياسيّة في روجآفا.

الاعتبار الآخر هو أنّ المجلس يفسّر إقدام الحركة الأوجلانيّة على هذه الخطوة بوصفها نتيجة للضغوط الأمريكية القابلة للتزايد في المراحل المقبلة، وقد يكون الأمر كذلك فعلاً، إذ تجد أمريكا نفسها اليوم مضطرة إلى التركيز فقط على إلحاق هزيمة كاملة بتنظيم داعش في سوريا، ولا ترغب بتشتيت جهودها وإثارة المشاكل مع شريكها الرئيسي على الأرض، قوات سوريا الديمقراطيّة، وبالتالي لن تتمكن في الظروف الحاليّة من ممارسة الضغط الكافي على السلطة في روجآفا. إلا أنه مع اقتراب طرد تنظيم داعش من آخر معاقله في الرقة ودير الزور، ستكون قوات سوريا الديمقراطيّة، والكرد عموماً، بحاجة ماسّة للحماية الأميركية من احتلال تركيا أو النظام السوري لمناطق شمال سوريا، وستزداد هذه الحاجة حال الانتهاء تماماً من التنظيم في سوريا، لتنقلب الآية حينها، وتصبح قوات سوريا الديمقراطيّة هي من لا تريد «إثارة المشاكل» مع الأميركيين.

إلا أن ما يبنيه المجلس من سياسات على أساس هذا التفسير ليست صحيحة بالضرورة، فهو يفترض أنّ تزايد فعّاليّة الضغط الأميركي ستترجم إلى تغيير في نوعية المطالب الأميركيّة من السلطة في روجآفا، أي أنّ أمريكا لن تكتفي بمطالب الديمقراطيّة والانتخابات والضغط بشكل أكبر لتحقيقها، بل قد ترمي الحركة الأوجلانيّة خارجاً وتسلّم السلطة كاملةً إلى المجلس كما يشاع في أوساطه، أو قد تأمر السلطة بتنفيذ اتفاقيات المحاصصة الموقعة بين الطرفين سابقاً، كما يشاع في بعض الأوساط الأقلّ اعتداداً بالنفس، وذلك فيما يبدو أنّها مراهنة على وجود رغبة أميركيّة، هذا إن حالف الحظّ الكردَ بالحصول على أيّ اهتمام أمريكي أصلاً، بتكرار تجربة كردستان العراق. ورغم استحالة تكرارها تقريباً، إلا أنّ التجربة نفسها تجعل التردّد في استلهامها أمراً حكيماً، ليس فقط لأنّها إثبات آخر على أنّ الكرد يفشلون في حلّ مشكلاتهم الداخليّة، بل لأنّ استنساخ نتائج هذه التجربة واستجداء الحلّ الأميركي لها يستدعي استنساخاً لمقدّماتها أيضاً، بما يتضمّن تكرار الحرب الأهليّة الطاحنة، والتي لا أحد يعلم إلى ماذا قد تؤدّي، فقد تدفع حينها أمريكا للتدخل كما في كردستان العراق وكما يتمنى المجلس، أو تدفعها لليأس والانسحاب كما في سوريا، وكما لا يتمنّى أحد.

قد يكون من المنصف أخلاقيّاً تحميل مسؤوليّة عدم مشاركة المجلس في الانتخابات على ممارسات السلطة في روجآفا وانتهاكاتها التي تطال أعضاء المجلس وأحزابه، منها الاعتقالات المتكرّرة وإغلاق المكاتب وحرقها، ما يضفي ظلالاً سميكة من الشك حول جدوى العمليّة الانتخابيّة، في ظلّ غياب أدنى احترام لحقوق الإنسان، ومن جهة أخرى، لا تملك السلطة في روجآفا أيّ مؤسّسات حقيقيّة ومستقلّة يمكن لإجراء العمليّة الانتخابيّة فيها أن يشكّل فارقاً، فالمتداول في أوساط المراقبين للوضع السياسي في روجآفا أنّ القرارات الهامّة تتّخذ في هذه المنطقة من قبل سلطات ظل (أو دولة عميقة) يديرها كوادر أوجلانيّون غير معروفين على الإعلام ولا يملكون مناصب رسميّة أو خاضعة للعمليّة الانتخابيّة، وهذا من شأنه أيضاً أن يشكّك في جدوى العمليّة الانتخابيّة طالما أنها ستنتج فقط «كركوزات» لا تملك شيئاً من قرارها سوى في صغائر الأمور، أضف إلى ذلك أنّ هذه الكوادر أفسدت «ملح السلطة»، أي القضاء، عبر تحكّمها به أيضاً من أصغر المحاكم إلى المحكمة الدستوريّة العليا، والتي لو كانت مستقلّة، كما ينبغي لها أن تكون، لشكّلت ملجأً قانونيّاً وداخليّاً من استبداد الأكثريّة، ومن شرعنة القوانين القراقوشيّة التي يحتمل أن تنتجها سلطة قادمة عبر انتخابات ذات اعتراف واسع بشرعيّتها حال مشاركة المجلس فيها.

ولكن رغم ذلك، سيتحمّل المجلس وحده المسؤوليّة السياسيّة عن المقاطعة ونتائجها على حساب دوره السياسي كمعارضة، وإذا لم يستعد المجلس وظيفته الأساسيّة كمعارضة ديمقراطيّة، وليس كقوّة سلطويّة محتملة تطالب بالمحاصصة التي يعتمد فيها على قراءات غير دقيقة لموازين القوى السياسيّة وموقعه منها وللدور الأميركي في المستقبل، فقد يؤدّي به ذلك إلى عزلة تامّة، خاصّة إذا ما تلقّفت الأحزاب الكرديّة الكبيرة من خارج المجلس تلك الوظيفة وسوّقت نفسها كبديل «معقول» يساهم في العمليّة السياسيّة ويطوّر الواقع بقدر الإمكان وبالابتعاد عن ردود الأفعال التي يتميّز بها المجلس. ولعلّ مشاركة الكثير من مؤيّدي المجلس، بل وبعض قياداته المحليّة، في انتخابات الكومينات التي دعا لمقاطعتها، تدقّ ناقوس الخطر لدى المجلس بأنّ أقرب مقرّبيه بدأوا فعلاً بالبحث عن بدائل.

Leave a Reply