الرئيسية رأي مفاعيل الاستفتاء وخيارات الكرد

مفاعيل الاستفتاء وخيارات الكرد

1064
مشاركة

شورش درويش

عكس الاستفتاء الكردستاني في ما جاء به من نتيجة كاسحة لصالح الاستقلال واقعاً جديداً يطاول الكرد على مستويات عدة؛ فقد جاء الاستفتاء، على الرغم من المحاذير الكثيرة، والتهديد والوعيد من دوائر إقليمية وعراقية ودولية، عاكساً لرغبةٍ كردية في اتجاهين: الأول هو نزوع كردي إلى الخلاص والاستقلال كحق طبيعي للجماعات الأصيلة الراغبة في أن تتحوّل من إثنية وقومية فرعيّة إلى أمّة ودولة، أما الاتجاه الثاني فجاء بالضد من سياسات بغداد وسطوة المركز وتفرّده في حكم العراق والمضايقات المديدة التي يتعرّض لها الكرد في بغداد والحواضر الكردستانية.

لم يكن إقليم كردستان في وضع سياسيّ مثالي لحظة إعلانه موعد الاستفتاء، بل يمكن القول إن الأوضاع كانت مضطربةً وشديدة التعقيد على مستوى الفاعلين السياسيين والأحزاب الكردستانية، لكن معظم الفعاليات السياسية بدأت تنصت إلى شكوى المواطنين الكرد وتذمرهم من سياسات المركز الذي لم يدخر لنفسه شريكاً كردياً واحداً، بل تعامل بغلظة وتفرّد ضارباً كل أسس الشراكة عرض الحائط، ولعل هذا الأمر يمكن أن يفسّر الزخم والنسبة الكبيرة للمصوتين بـ «نعم» للاستقلال، تجاوزاً على الأزمات الداخلية والمشكلات البينيّة الكردية.

احتاطت القيادة الكردية قُبيل الاستفتاء بالقول إن نتيجة الاستفتاء، في حال كانت لصالح الاستقلال، فإنها لن تؤدي إلى الاستقلال في اليوم التالي أو في موعد قريب، بل إن تلك القيادات تركت القوس الزمني مفتوحاً، ما فهم منه أن سياسيي الإقليم أرادوا إيصال حالة التذمر والشكوى الكردية على سياسات المركز إلى أعلى المستويات الدولية، وإخراج المشكلة الكردية التي تتعامل معها بغداد بكل برود إلى الفضاء الدولي، وفي الغالب الأعم، فقد نجحت القيادات الكردستانية من إيصال شكوى الكرد من سياسات المركز ذي الصبغة الطائفية الفاقعة.

إلى ذلك سارعت القوى الإقليمية إلى التكوّم من جديد، كما حدث في حالاتٍ مشابهة وغير بعيدة في التاريخ المعاصر، فالتقارب التركي – الإيراني الذي تسامى على خلافاتهما المذهبية الكبرى والحروب بالوكالة في سوريا والعراق من جهة، والتفاهم الحاصل بين بغداد وأنقرة بعد تبادل الاتهامات في فترات قريبة سابقة، وصلت إلى حد السباب العلني والتقاذف بالألفاظ غير الدبلوماسية بين قيادة البلدين من جهةٍ أخرى، وصولاً إلى المخاوف المزعومة التي تحدّثت عنها عواصم عربية على الوحدة الترابية للعراق على الرغم من حالة الجفاء بين بغداد وتلك العواصم على خلفية التمدّد الإيراني داخل العراق، وغير ذلك من حالات تقارب، حدثت بناءً على إيقاع الحدث الكردستاني، لكنها في المقابل تقاربات قابلة للتفكك من جديد حال ظهور مصالح جديد.

تعرف قيادات الإقليم بأن الدول الإقليمية، والتي تمارس الوصاية السياسية المباشرة وغير المباشرة على العراق، تمتلك مروحة من الخيارات القاسية التي قد تؤذي الإقليم، وأن ما يدور في الجوار من تلاقي بين الخصوم ما هو إلا في سبيل ضرب الطموحات الكردية ووأدها في المهد، بيد أنها في المقابل تنتظر الوقت الذي قد ترتخي معه القوى المؤتلفة والمتشنجة وأن يتدخل العامل الدولي الذي لا تتطابق مصالحه مع مصالح الجوار الكردستاني، كما تنتظر قيادة الإقليم المبادرات التي قد تؤدي إلى حوار جدّي مع بغداد برعاية دولية، أي أن تحظى الحوارات القادمة بضمانات دوليّة تفضي إلى معالجة المشكلات التي تسببت بها بغداد.

من المخاطر التي تنتظر الإقليم أيضاً، أن تعمد القوى الإقليمية وبغداد إلى فك الوحدة الوطنية الكردستانية التي تشكّلت لحظة الاستفتاء، عبر تسعير الخلافات الحزبية الكردستانية، وهذا أمر متوقع في حال تم فرض العقوبات والحصار وإشغال المناطق المتنازع عليها بمعارك، وفي هذه الحالة قد تتسابق الأحزاب إلى تبادل التهم حول تحميل المسؤولية إلى هذا الطرف أو ذاك، لذا يصبح من المنطقي أن تسعى الأحزاب الكردستانية، ولا سيما الحاكمة منها، إلى تقوية الجبهة الوطنية وتصفية المشكلات الداخلية بالحوار الجدّي الذي يفضي إلى إعادة المؤسسات الدستورية إلى سابق عهدها.

يبدو أن الدول الإقليمية تدفع بغداد إلى إبداء المزيد من التشنّج وممارسة سياسات أكثر شدّة تجاه الإقليم، وبالوسائل التي اعتادت الحكومات العراقية المتعاقبة عليها وهي مزيج من القرارات التشريعية والتنفيذية، واختيار نصوص دستورية وفقاً لما تمليه مصالح الدائرة التي تحكم العراق، فقرارات الحكومة العراقية باتت تنفّر كل الأفرقاء الكرد، حتى أولئك الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مقرّبين من بغداد أو من المرجعيات الدينيّة، فالخيار العراقي الجديد يعتمد أسلوب فرض العقوبة الجماعية على الشعب الكردي دون تمييز بين صديق وخصم، ولعل لهذه السياسة الحكومية ارتدادات قد تؤدي إلى تماسك ووحدة الموقف الكردستاني.

على العكس من موقف الدول الإقليمية، تدفع واشنطن والعواصم الغربية باتجاه الحوار، فسياسة واشنطن في العراق قائمة على الحد من النفوذ الإيراني بالدرجة الأساس، ما يعني أن إخراج الكرد من اللعبة السياسية ومن الشراكة مع بغداد لن يساعد إلا في تقدّم إيران أكثر داخل العراق، وإن كان موقف واشنطن والعواصم الغربية حاداً اتجاه استقلال الكرد إلا أن ذلك لا يعني تخلّي أمريكا وتحالفها الدولي عن شريكهما الكردي، لأن التخلّي يعني إضعاف الشركاء لصالح «الأعداء»، وبالتالي يصبح موضوع الحوار حيوياً أكثر وحلّاً منطقياً للانسداد الحاصل، وطبيعي أن الحوار القادم، والذي تشير إليه الأطراف الدولية، لن يكون كالحوارات السابقة التي أفضت إلى مراكمة المشكلات، بل سيؤدي إلى إيجاد حلول مبتكرة كالحديث عن الكونفدرالية ربما، أو تعزيز موقع الكرد داخل بغداد على اعتبارهم شركاء في صناعة القرار العراقي، وكذلك حل المشاكل التي رفضت بغداد حلّها سابقاً، كالمناطق المتنازع عليها ومسألة ميزانية الإقليم وسواها من المشاكل العالقة، في إطار زمني ووفق رعاية دولية.

على الرغم من الضغوطات الكبيرة التي يتعرّض لها الإقليم، وعلى الرغم من توافق الخصوم على إحباط التطلعات الكردية، إلّا أن في آخر هذا النفق المظلم بصيص أمل، لكنه بصيصٌ مرهونٌ بشروط تخصّ الإقليم كإبداء المزيد من «الصبر»، وتعزيز الجبهة الداخلية وتوافقها، ومما يزيد من رؤية بصيص الأمل كذلك هو الشرط الدولي الذي لن يقبل بتدوير المآسي الكردية مجدداً لأن مصالحه باتت مرتبطة بشركاء حقيقيين على صعيد مكافحة الإرهاب والتصدي للمشاريع الإقليمية الساعية إلى تشكيل إمبراطوريات جديدة مؤذية للأمن والسلم الدوليين.

Leave a Reply