مشاركة

المادة الأصلية نشرت بالإنكليزية في موقع AFP

جهاد درويش

عن الإنكليزية: سوز حج يونس

في شهر آب من العام 2015، فتحت الشرطة النمساوية الباب المقفل لشاحنة مخصّصة لنقل لحوم الدواجن المجمّدة، والتي كانت مركونة على جانب الطريق، حيث وجدت في داخلها 71 جثة متفسخة ومشوّهة تعود لمهاجرين معظمهم من سوريا والعراق وأفغانستان، إذ اختنقوا في تلك الشاحنة حتى الموت عندما كان يتم تهريبهم من هنغاريا إلى النمسا.

أحد عشر شخصاً من شبكة تمتهن الاتجار بالبشر ومسؤولون عن تهريب المهاجرين عبر الحدود تمت محاكمتهم في حزيران بتهمة الاتجار بالبشر والتعذيب.

وبالاتجاه نحو 5000 كم (3000 ميل)، بعيداً هناك في الشمال الشرقي من سوريا حيث مدينة قامشلي، عايش مصوّر AFP جهاد درويش القصة التي كانت غير قابلة للتصديق في البداية، ثم تحولت إلى حدث مؤكد غير قابل للشك.

كان من بين الضحايا أخوان هما صديقا الصحفي جهاد وأولاد حموه بذات الوقت.

قامشلي، سوريا نتحدث نحن السوريون عن اللجوء إلى أوربا بشكلٍ يومي، كلّ ما عليك فعله هو الذهاب إلى أي مقهى أنترنت وهناك سوف تسمع المحادثات التي تجري بين عالمَيْ الوطن وأبنائه في المهجر، في محاولة لوصله مع الأرض الواعدة. منذ نحو عامين كنتُ أجري محادثات مُشابِهة كلّ الوقت مع أفضل صديقين لي؛ حسين ورامان، بينما هما يمرّان بمحنتهما.

كان حسين، 36 عاماً، ورامان، 23 عاماً، هما أبناء حموي، ولكنّهما كانا قبل ذلك، ولوقت طويل، أفضل صديقين لي وخصوصاً حسين، إذ التقيتُ بهما في  دمشق خلال أيام الدراسة الجامعية قبل نحو خمسة عشر عاماً، وعندما أصبحنا أقارب (عن طريق زواجي بأخته) أصبحَتْ صداقتنا أقوى وأمتن. حسين ورامان وصديق آخر اسمه مسعود، غادروا قامشلي في العام 2015 وقد كان حلمهم  الوصول إلى ألمانيا، كحلم آلاف السوريين الذين مضوا في رحلة الخطر والتعب في ذلك العام. كان حسين يحلم بالحصول على شهادة الدكتوراه في علم الآثار، بينما كان رامان راغباً في إكمال دراسة الحاسوب، وقد حاول والدهم الأستاذ خليل مصطفى إيجاد طريق آمنة لوصولهم إلى ألمانيا، ولكن لم يكن هناك سبيل لذلك دون وجود كفيل، لذا قرروا الاستعانة بالمهربين.

بينما كان الثلاثة يمضون في طريقهم إلى أوربا، مروا بتركيا واليونان وبلغراد الصربية، وهو آخر مكان سمعنا منهم أنّهم يتواجدون به.

كنّا على تواصل مستمرّ معهم عبر التلفون والأنترنت. إنّ قلبي كاد يتفطّر وأنا أتابع تقدّمهم وأنتظر وصولهم إلى ألمانيا بسلام.

في 23 آب كنتُ أتحدّث مع حسين، وإذ انقطع الاتصال فجأة، ثم عاود هو الاتصال بي بعد دقائق قليلة وهو يلتقط أنفاسه وقال وهو يضحك: «الشرطة طاردتنا في بلغراد لأنّهم يعتقلون المهاجرين»، ثم تحدّثنا مجدّدا بعد يومين في 25 من آب، وكان هذا الاتصال آخر تواصلٍ لي معهم.

في 27 آب استيقظت لأتابع الأخبار، كالمعتاد شاهدت أخباراً عاجلة على التلفزيون، تتحدّث بعضها عن شاحنة اكتُشفت في النمسا تحوي بداخلها جثثاً تعود لعشرات من المهاجرين، أسميناها «الشاحنة المشؤومة». حاولت بعدها مباشرة الاتصال بـ حسين لكن هاتفه كان خارج التغطية، وكذا كان هاتف رامان ومسعود.

بينما كنت أعاين صور الشاحنة المنتشرة على مواقع التواصل لاحظت كلا من حسين ومسعود، تفطّر قلبي حينها، لكنّنا بقينا نخلقُ شعوراً كاذباً بالأمل. طلبتُ من أخٍ لمسعود المجيء، فقال لي إنّه استطاع ملاحظة صورة أخيه جيداً:

«لقد شاهدت شعره الطويل، وعرفت عندها بأنّه أخي، لقد أخبرتُ أصدقائي بأنّه شعر أخي». غصّت الحقيقة المرّة في حلقي، لكنني لم أستطع أن أصرّح عن مخاوفي تلك لأي شخص، بقيتُ محافظاً على أملي، فكلنا كان يخلق شعوراً كاذباً بالأمل، «ربما قد تم اعتقالهم، ولهذا السبب لا نستطيع التواصل معهم، أو ربما يفعلون شيئا آخر».

مات الأمل في الخامس عشر من أيلول، عندما تواصل والدا كلّ من رامان ومسعود مع عمّ أحد الأشخاص الذين كانوا من ضحايا الشاحنة، والذي يقيم في النمسا، وأكّد للأستاذ خليل بأنّ رامان وحسين هما من بين ضحايا تلك الشاحنة، وبأنّ الشرطة النمساوية قد وجدت هوياتهم الشخصية وهواتفهم النقّالة في الشاحنة.

عدسة صحفي، عين صديق

عندما وصلتْ جثامين كلّ من حسين ورامان إلى شمال شرق سوريا عبر معبر فيشخابور- سيمالكا كنتُ أنتظر مع كاميرتي. عندما رأيت الأكفان تفجّرت عيناي بالدموع. كانت الصدمة كبيرة والألم أعظم. كانت أقسى مرة بكيت فيها، ولكنّني مع ذلك بقيتُ أصوّر.

بقيتُ أصوّر الأستاذ خليل مصطفى وهو يقلّب بين يديه الشهادات الدراسية ذات الإطار لولديه، والمعلّقة على الجدار. صوّرت والدتهما (ووالدة زوجتي بطبيعة الحال)، صورتها وهي توزّع السكاكر على الأطفال في الجنازة، وهو تقليد لدينا هنا. كانت توزّع السكاكر، لكنّها تحتفظ بالألم بمرارة داخلها، كذلك كان الأمر بالنسبة لي؛ لم أضع كاميرتي جانباً، ولكنّني كنتُ أبكي كلّ الوقت، كما لو أنّ لحظة الفقد كلّها تتكرّر دفعة واحدة. كنتُ أستخدم عدستي كصحفي، ولكنّ عيناي كانتا عينا صديق، صديق حسين ورامان ومسعود. أبكي لأنّهم راقدون بينما كنتُ أصوّرهم. إنّ اللحظات الصعبة التي رافقتني أثناء التصوير لن تفارقني أبداً.

بعد نحو عام أنجبت زوجتي مولودنا الثاني، وقرّرنا تسميته (حسين) تيمّناً بخاله الذي لن يلتقيه أبداً، وأنا حالياً أصوّر عمّي وهو يلاعب حسين الصغير ويناقش مأساة الشاحنة النمساوية.

«كلّما أرى حفيدي أشعر وكأنّني ألعب مع ابني حسين كما لو أنّه هو تماماً».

«الكلمات الأخيرة التي قالها لي حسين قبل أن يغادر كانت وعداً بأنّه ‹خلال سنوات قليلة سأحصل على شهادة الدكتوراه وأضعها بين يدي أمي›. عندما وصلتني أخبار موت ولديّ، كان بمثابة ألم لا يمكن وصفه. كان خبراً كارثياً وشديد الصدمة».

يتتبّع الأستاذ خليل المحاكمة التي تُعقَد في هنغاريا، لأنّ السلطات هناك أعلنت بأنّ الوفيات قد جرت على أراضيها، ولم يحضر أي من أقارب الضحايا افتتاح المحاكمة التي جرت في حزيران.

الأستاذ خليل لا يعرف ما هي الأدلّة الموجهة ضد المتاجرين بالبشر، ولكن يبقى هناك أمل بأنّ المحاكمة قد تحقّق العدالة لعائلته.

الأخبار شخصية

 أنا أصوّر منذ بداية الحِراك الشعبي في سوريا في العام 2011 وحتى بعد تحوّلها لحرب. نحن في سوريا لا نعيش وضعاً طبيعياً.

‹المناطق الباردة› حيث يوجد استقرار نسبيّ، هي مختلفة تماماً عن تلك التي تعاني من الحرب والتهجير والاقتتال والتدمير، وكلّ أشكال الإهانة الإنسانية.

الصحفي في منطقة الحرب لا يستطيع أن يفصل نفسه عن هذه الأشياء، عن كلّ مأساة قد تتعرّض لها مدينته، بلده، أصدقاؤه، أقاربه، أو من يعرفهم.

معايشة القصة

الصحفيون في سوريا يوثّقون القصّة ولكنهم يعايشونها أيضاً، علينا أن نوثّق المأساة التي نعانيها.

لديّ عشرات الأصدقاء والمعارف والأقرباء الذين ماتوا في هذه الحرب، سواء كان في تفجيرات أو خلال الاقتتال أو بينما يحاولون الفرار. كلّ من أعرفهم مروا بذات الظروف.

أنا ملتزم بنقل ما أراه وتوثيقه، سواء أكان ذلك مرتبطاً بي أم لا، ولكن عندما توثّق شيئاً يرتبط بكَ مباشرة، فإنّه يؤلمك، وتبقى تحمل الألم معك – تبقى غصّة في الحلق ولا يبدو بأنّها ستفارقك مطلقاً.

*كتبت هذه المدونة مع مايا جبيلي في بيروت

Leave a Reply