شاركها

ريوان سليمان

كثيرةٌ هي أُطر الخلاف بين القوات العسكرية، فالتحالفات بين القوات لا يعتبر في الكثير من الأحيان اتفاقاً استراتيجياً، وإنما تكون في معظمها تكتيكاً عسكرياً ينتهجه الضلع الأضعف للاستفادة من الأقوى، ويستغله الأقوى للاستفادة مما يملكه الأضعف. ويبدو أن هذه التكتيكات حكمت تحالفات وحدات حماية الشعب مع القوى العربية لتشكيل جبهة لمحاربة داعش والفصائل الإسلامية الأخرى. وليست قوات الصناديد استثناءً من هذا.

تعتبر قوات الصناديد أول قوة عربية تحالفت مع وحدات حماية الشعب من الناحيتين العسكرية والسياسية بشكل رسمي، بقيادة الشيخ حميدي دهام الهادي. تلاها لاحقاً مشاركة الصناديد مع قوات سوريا الديمقراطية في العديد من الجبهات، لتشكل ثاني أكبر قوة في قسد بعد وحدات حماية الشعب، وتكون أكبر قوة عربية فيها.

إلا أن هذه العلاقة بين الطرفين شابها مد وجذر في عدّة مواقف، وكانت الخلافات تنشب أحياناً على مسائل إجرائية، فيما كانت الخلافات العميقة مستمرة على الدوام في خلفية المشهد.

بدايات الخلاف بين الصناديد ووحدات حماية الشعب

بدأت خلافات طفيفة تظهر إلى السطح بين قوات الصناديد ووحدات حماية الشعب مع بدء حملة تحرير الهول، إذ طالبت حينها الصناديد بإخضاع المنطقة لسيطرة قواتها فقط، والتي كانت ذات دور محوري في الحملة، إلا أن عدم استجابة وحدات حماية الشعب لتلك المطالب ساهم في تفاقم الخلافات «الطفيفة»، وفق ما أكده مصدر رفيع في قوات سوريا الديمقراطية.

ونشرت حينها وسائل إعلام تابعة للمعارضة تصريحات نسبت إلى الشيخ حميدي دهام بالتزامن مع اقتراب حملة تحرير الرقة، مفادها أن الشيخ قال في اجتماعه: «لن نشارك في المعركة، فحدودنا هي مدينة تل كوجر/ اليعربية، ولا علاقة لنا بجميع المناطق الأخرى»، وأضافت تلك الوسائل أن الشيخ حميدي قال: «لن نفرط بحياة مقاتلينا من أجل مناطق أخرى».

مع ازدياد انضمام العشائر العربية إلى قسد، وبالنظر إلى الدور والوزن الذي تمثله الصناديد في قوات سوريا الديمقراطية، فإن الأولى باتت تتطلع إلى نيل مكاسب أكثر

وفيما يبدو أنها كانت محاولة من وحدات حماية الشعب لتفادي تكرار ما حصل في الهول، قال قيادي في قوات سوريا الديمقراطية إن «قوات الصناديد أمسكت لاحقاً بزمام الأمور في مدينتي الشدادي ومنبج بعد تحريرهما رغم انخفاض فعالية مشاركتها في معارك تحرير المدينتين».

لكن، ومع ازدياد انضمام العشائر العربية إلى قسد، وبالنظر إلى الدور والوزن الذي تمثله الصناديد في قوات سوريا الديمقراطية، فإن الأولى باتت تتطلع إلى نيل مكاسب أكثر، وفقاً لما قاله مصدر عسكري.

ويؤكد المقاتل نواف الشمري على حدوث تغيير في أهداف الصناديد، إذ يقول إن «مساعي عشيرة الشمر كانت في البداية هي حماية بلدة تل كوجر/اليعربية، لكن أهدافها الآن أكبر من ذلك، وفي ظل وجود التحالف الدولي، فإنها تسعى لأن تثبت بأنها قوة عربية معتدلة شاركت في العديد من المعارك، وأنها مستقلة إدارياً عن وحدات حماية الشعب».

من جهة أخرى يرى أحد الشبان الشمر الأعضاء في الشبيبة السورية، والذي امتنع عن ذكر اسمه، أن عشيرة الشمر العربية تتطلع لمكاسب أكبر في ظل انخراطها منذ البداية مع قوات سوريا الديمقراطية وانضمام عدد كبير من العرب إليها في الفترات الأخيرة، مضيفاً أنها قد تحاول الحصول على تمثيل للقوات العربية في قسد وأن تأخذ دور الناطق باسم تلك القوات.

ويرى عضو الشبيبة السورية أن العلاقات قد تتدهور بين الطرفين في حال استمرار قوات الصناديد على هذا النحو.

أزمة حمل شبان كرد لهويات الصناديد

قوات الصناديد هدفت من تلك الخطوة إلى رفع عدد أعضاءها في سجلات قسد، لتحقيق مكاسب سياسية أكثر

إلا أن الخلاف لم يقتصر على اعتراضات قوات الصناديد فقط، فمن جهتها أيضاً اتهمت وحدات حماية الشعب والإدارة الذاتية تلك القوات بتوزيع هويات تابعة لها على مطلوبين للتجنيد الإلزامي (الدفاع الذاتي)، بينما أكدت قيادات الصناديد أن أولئك الأشخاص كانوا من قواتهم رسمياً.

إبراهيم العبد الله، من أهالي مدينة كركي لكي، يقول إنه رأى الهوية لدى العديد من الأشخاص، وأن أحدهم قال له إن «الأمر بسيط ولا تكلفك كثيراً»، وأشار العبد الله أن قوات الصناديد هدفت من تلك الخطوة إلى رفع عدد أعضاءها في سجلات قسد، لتحقيق مكاسب سياسية أكثر في ظل انخراط العديد من الفصائل العربية الأخرى والعديد من الشبان العرب من المناطق العربية التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية مؤخراً.

وأعاد أحد عناصر قوات الصناديد هذه الممارسات إلى وجود «فساد» في القوات التي يتبعها، مضيفاً: «في كل مكان يوجد فساد، لكن هذا لا يعني أننا جميعنا فاسدون، فلنا تاريخنا، ونعتبر نحن العشيرة الوحيدة التي لم تشارك في اقتتال مع الأخوة الكرد، ونعتبر أيضاً أول قوة تحالفت مع وحدات الحماية للدفاع عن المنطقة سوياً».

كان رد فعل وحدات حماية الشعب أن قامت باعتقال أولئك الشبان وقادتهم إلى التجنيد الإلزامي، وكما يروي أحد المنتسبين لقوات الصناديد، فإن عدداً من الشبان الكرد انضموا إلى صفوفها «إلا أن وحدات حماية الشعب لم تقبل بهذا الشيء، وساقت قرابة 25 منتسباً كردياً لقواتنا إلى صفوف واجب الدفاع الذاتي، الأمر الذي أثار غضب قياداتنا، إذ إن المعتقلين نقلوا مباشرة إلى تل بيدر دون الرجوع إلى قيادة الصناديد ومعرفة الحقيقة، كما أن إدارة المعسكر مزقت هويات الصناديد التي كانت بحوزتهم، بحسب ما قاله الشبان المنتسبون لنا».

كما أفاد سكان محليون من مدينة تل كوجر أن الشيخ حميدي دهام الهادي استاء من موقف قيادات سوريا الديمقراطية بشأن هويات الصناديد وأنه كان يفكر بالانسحاب من تشكيل قسد، وتشكيل قوى جديدة تضم فصائل عربية عدة، إلا أن الفكرة ألغيت بسبب عدم موافقة الفصائل العربية التي كانت تنوي الصناديد الاتفاق معها، وفقاً لبعض المصادر.

التحالف الهش بين الثورية والعشائرية

يقول محمد إبراهيم، وهو مقاتل عربي في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، إن ممارسات قوات الصناديد، ومنذ إعلان تحالف قوات سوريا الديمقراطية الذي يضم فصائل عدة، قد تعيق استراتيجية قسد، التي تتطلع لعلاقات أكثر ترابطاً مع الولايات المتحدة، كما قد تعيق استراتيجيتها في بناء نظام ‹لا عشائري› يمنح المرأة حقوقاً مدنية.

إنهم كانوا يتحدثون باسم الصناديد لا باسم قوات سوريا الديمقراطية

ويبدو أن غرابة هذا النوع من التحالف بين نظامين متناقضين أثار انتباه الأهالي أيضاً، ففي لقاء مع روك أونلاين في قرية مجاورة لبلدة الشدادي، قال أبو أحمد، وهو أحد أهالي القرية، إن «قوات الصناديد تختلف عن قوات سوريا الديمقراطية من حيث المبادئ ومن حيث الأفكار، فهذه القوات لم تكن تعترف بدور الولايات المتحدة، ولم تكن لها أي خلافات مع قوات النظام، كما أنه لم يكن لها أي خلافات مع فصائل الجيش الحر»، مضيفاً أنه لاحظ في اجتماع جمعهم مع القيادي في قوات الصناديد، أبو نواف، «أنهم كانوا يتحدثون باسم الصناديد لا باسم قوات سوريا الديمقراطية».

وينقل لنا أبو أحمد انطباعاته عن تأثير العشائرية على الشباب المنضمين لقسد، إذ يقول إنه «من المعروف أن المئات أو حتى الآلاف من أهالي الشدادي قد انضموا مع تحريرها إلى صفوف قوات سوريا الديمقراطية، لكنها لم تكن تلتزم بقرارات قيادات قسد، لأن تلك القوات انضمت إلى صفوف سوريا الديمقراطية كعشائر، وليس كمبدأ يقتنع به الشخص، وهو ما كانت تنتهجه قوات الصناديد العربية، إذ إن تلك القوات التي انضمت لقسد، وقفت بجانب عشائر عربية في الشدادي مع ظهور أول خلاف بين الطرفين».

ويؤكد مصدر آخر من وحدات حماية الشعب، ويدعى زاغروس جيا، أنهم لن يكرروا تجربة الشدادي، إذ يعتقد أن تجربة تعاملهم مع أهالي الشدادي كعشائر «كانت لها آثار سلبية كبيرة، إذ كانت هذه القوات خاضعة لعشائرها أكثر من خضوعها لقيادة قوات سوريا الديمقراطية، لذا فإننا لم نكرر هذه التجربة، وأصبح انضمام الشبان في المناطق الأخرى إلى قسد بعيداً عن العشائرية وخصوصاً في منبج والرقة ودير الزور، والتي بينت فعاليتها في الحرب ضد الإرهاب».

هل ستتمكن قوات سوريا الديمقراطية من تحقيق أهدافها في ظل هذه الخلافات؟

أكثر النتائج السلبية للتحالفات هي التناقضات، لكن لا أظن أن نستطيع تنفيذ مهامنا مع قوات تسعى لمكاسب إضافية

مع إعلان بدء حملة تحرير الرقة، قالت قوات سوريا الديمقراطية إن قوات الصناديد ستشارك فيها، رغم أن الشيخ حميدي دهام كان قد صرح بأن قواته لن تكون مشاركة، ويشير قيادي في قوات سوريا الديمقراطية أن «السبب الرئيسي لمشاركة الصناديد هي حجم القوى، إذ تيقنت معظم الأطراف السورية من أن السيطرة على الرقة تعني السيطرة على زمام الأمور في سوريا كاملةً».

إلا أن المكاسب العسكرية من مشاركة الصناديد في الحملة سرعان ما أفرزت خسائر إعلامية أضرت بصورة قوات سوريا الديمقراطية لدى السكان المحليين، فبعد فترة من البدء بالحملة، نشرت العديد من وسائل الإعلام، وعلى رأسها المرصد السوري لحقوق الإنسان، أخباراً عن قيام قوات الصناديد بالاعتداء ضرباً على أهالي مزرعة اليرموك في ريف الرقة الشمالي وإطلاق النار عليهم، ما أدى حينها إلى إصابة عدد منهم، بينهم نساء وأطفال، مضيفة أن الحادثة وقعت بعدما اتهم الأهالي مجموعة من قوات الصناديد، بقيادة مسؤول العلاقات في القوات، بسرقة منازلهم والاعتداء على ممتلكاتهم وعلى مواطنين من أبناء مزرعة اليرموك.

وفي وقتها دعا الأهالي قيادة قوات الصناديد للمحاسبة الفورية، وقال أحد السكان من مزرعة اليرموك إن قوات سوريا الديمقراطية اجتمعت معهم واعتذرت لهم، وتوعدت بمحاسبة كل من ارتكب الانتهاكات بحقهم، كما وعدت بإعادة جميع الممتلكات «مهما كلفهم الأمر».

وتثار التساؤلات حول قدرة قسد على القيام بمهامها وتحقيق أهدافها في ظل علاقة متوترة وخلافات بين الطرفين حول الإيديولوجيا والولاء العشائري والسيطرة والمنافسة على النفوذ والتأثير السلبي على صورة قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لأحد المقاتلين الكرد في تلك القوات على جبهة الرقة، والذي أضاف أن «أكثر النتائج السلبية للتحالفات هي التناقضات، لكن لا أظن أن نستطيع تنفيذ مهامنا مع قوات تسعى لمكاسب إضافية».

وقال مقاتل آخر التقت به روك أونلاين في مدينة الرقة، ويدعى آمد: «أتمنى من الصناديد أن تكون مدركة للواقع الذي نعيشه، أنا لست متأكداً من جميع الأخبار التي نشرت، لكنني سمعت ببعض الخلافات، لذا فالحل الوحيد هو العودة إلى سابق عهدنا»، مضيفاً أنه يتمنى أن «تعمل قوات الصناديد على تطبيق مبادئ الإدارة الذاتية، وخصوصاً في المبادئ الاجتماعية»،

ويعتقد آمد أن «أي خرق في مبادئنا الاجتماعية قد يعيق أهدافنا في بناء نظام ديمقراطي، فأي خرق يحصل في تل كوجر سيتكرر في تل أبيض ومن ثم تل حميس وتل براك وغيرها من المناطق العربية-العشائرية».

بدون تعليق

اترك رد