هل يكون الكرد فرسان التغيير في المنطقة؟

هل يكون الكرد فرسان التغيير في المنطقة؟

2707
0
شاركها

باز بكاري

لطالما أرجع المنظرون والمتحكمون بمصير الشعوب في المنطقة أسباب الحالة المزرية التي نعيشها إلى الاستعمار والحدود والتقسيمات التي وضعها، بأن هي سبب البلاء في كل شيء وأقحمت المدارس الموجهة من الأنظمة الحاكمة فكرة أن الاستعمار طبق علينا «سياسة فرق تسد»، وأن الحدود التي رسمها فرانسوا جورج بيكو ومارك سايكس، هي لإيجاد دول ضعيفة تعيش حكوماتها وشعوبها رهينة مصالح الدول الكبرى.

نعم، لقد كانوا صادقين في ذلك، إلا أنها ليست الصورة الكاملة؛ فتلك التقسيمة التي رسمتها سايكس-بيكو ليست السبب الوحيد الذي نزل بنا إلى هذا الحضيض، بل ثمة جزء أساسي من المسؤولية تحمله شعوب المنطقة التي أصبحت من أشد المدافعين عن حدود تلك التقسيمة، والتي أسست داخلها دولاً فاشية قومية تحاول إبادة الآخرين.

يبدو اليوم أن الكرد تمكنوا بعد نضال طويل من تغيير الحدود، إذ سيتنفسون الصعداء كأول المتخلصين من اتفاقية سايكس-بيكو مع ما يلوح في الأفق من نهاية العمل بها، ولكن فقط على أمل أن يغيروا أيضاً الشطر الثاني، والأهم، من أسباب المشكلة، عبر تقديم نموذج دولة للتعايش وبعيدة عن العنصرية.

في سوريا فدرالية على أمل التعايش

الكرد، وعلى عكس ما يشاع عنهم، لا يحملون فكر الدولة القومية غير المعترفة بوجود مكونات يفرض الواقع شراكة فيما بينهم، فإن اعتبرنا مشروع الإدارة الذاتية المطروح في سوريا مشروعاً كردياً، فهو لا يدعو إلى فرض هوية قومية معينة على كامل التراب الذي يسيطرون عليه، بل هو مشروع يطرح حالة من التشاركية والتعايش فيما بين مكونات المنطقة على أساس من العدل ومحاكاة الواقع والمنطق، لتتاح بذلك الفرصة لأي مكون اثني أو ديني أن يعبر عن نفسه بقدر متساو مع باقي المكونات، بغض النظر عن التعداد والمساحات الجغرافية التي تتلون بلونه.

ورغم ما يصاحبها من مشاكل، إلا أن النظرية المطروحة هي محاولة لإيجاد مخرج آمن لشعوب المنطقة من أتون حرب أنهكت كل من يدب على ثراها، إضافة إلى حروب أكثر ضراوة تتهدد المنطقة، فحتى الآن، وللأسف، لا تطرح أي جهة سورية أخرى سوى طرقاً توصلها للسلطة وتقاسم الأرض، بغض النظر عن التفكير في كيفية إيجاد آليات لرأب الصدوع، لا بل الشروخ الكبيرة، التي أصابت المجتمعات الشريكة والمتجاورة في هذه الجغرافيا، وهنا يحسب للكرد «على علاتهم» أنهم سباقون لطرح فكرة التعايش بين مكونات المنطقة؛ فالنظام السوري الذي حكم البلاد عبر كركوزات «من المكونات السورية» وضعها في هيئاته السياسية بعد انطلاق الثورة السورية، هو ذاته من كان يقمع الكرد ويحشد العرب ضدهم، وهو من يقوم اليوم بتحشيد العلويين ضد السنة وتزكية نار الحرب الطائفية، فقط في سبيل المحافظة على سلطته. في المقابل أيضاً نجد أن المعارضة السورية، من هيئات ادعت تمثيل الثورة، ومن قوى عسكرية عاملة على الأرض، ومن كل من ركب الثورة السورية عبر انشقاقهم الشكلي عن النظام وإتيانهم بذات فكره، قد قاموا جميعاً بتبني حاملي الفكر المذهبي المتطرف، من خلايا تنظيمي القاعدة والإخوان المسلمين، وتبني أفكار متطرفة كوجوب «ذبح النصيرية»، إضافة إلى اختصارها الثورة برفع المظلومية عن السنة دون غيرهم. بهذا يكون كلا الطرفين قد رسخا فكرة الآخر، فضلاً عن شيطنة الكرد، وهي نقطة اتفاق بين الهيئات المعارضة والنظام السوري.

بالتوازي مع مشروع الإدارة الذاتية، يطرح الطرف الكردي الآخر، وهو المجلس الوطني الكردي، فكرة الفدرالية أيضاً كحل للأزمة السورية، وهذا ما أدرجه الائتلاف السوري المعارض ضمن النقاط المطروحة للنقاش في الاتفاقية التي أفضت إلى انضمام الكرد للكيان السوري المعارض، وهو ما لم يتم حتى الآن.

مشروع المجلس الكردي يتشابه من حيث الفكرة مع فكرة القائمين على الإدارة الذاتية القائمة حالياً، لكن ما ينقصه أن شركاء المجلس يتهربون حتى من النقاش عليه، وأيضاً لم يطرح المجلس الفدرالية حتى الآن سوى كعنوان عريض دون طرح تفاصيل وآليات لتطبيقه على الأرض، لكنه يبقى عنوان حل ممكن للخروج بسوريا من المستنقع الحالي.

مشروع الكرد وشركائهم في سوريا ليس متكاملاً، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن يمكن الاعتماد على فكرته للبناء عليها، وإيجاد صيغة توافقية ترضي شغف المجتمعات التي تعيش في البلاد في العيش باستقرار وممارسة حياة طبيعية، عوضاً عن الموت اليومي الذي يلاحقهم.

الطلاق الكردي من العراق

بالتزامن مع تطورات الوضع في سوريا، يخطو الكرد في العراق تجاه حلول أكثر صرامة، إذ الحال هناك مختلفة، فبعد تجارب مريرة عاشها الكرد مع الأنظمة الحاكمة للعراق، سواء التي لبست عباءة السنة أو تلك التي لبست عباءة الشيعة، لم يعد أمامهم خيار سوى الخلاص من المستنقع الذي لم يجلب لهم سوى الويلات والقمع والمجازر، فقرار قيادة إقليم كردستان الأخير بطرح قضية الاستقلال عن العراق للاستفتاء الشعبي كانت نقطة البداية نحو الخلاص من العراق، وبالطبع كانت ردود الفعل المناوئة للقرار الكردستاني قاسية ومتوقعة من السلطة المركزية في بغداد وبعض دول الجوار مثل تركيا وإيران.

أما النقطة الأهم، وهو الشكل المطروح للدولة المنشودة، فنجده في الوثيقة التي طرحها المجلس الأعلى للاستفتاء قبل أيام، والمتوافق عليها بين مكونات المجتمع الكردستاني، إذ ركزت الوثيقة على الاعتراف بكل المكونات العرقية والدينية ضمن الجغرافية الكردستانية، وبصيغ بعيدة عن الوعود الفارغة، مؤكدة على إدراج النقاط المذكورة ضمن دستور الدولة بحيث تكون محمية بسلطانه.

واعترفت الوثيقة بوجود القوميات العربية والتركمانية والسريانية إلى جانب القومية الكردية، وأكدت على اعتبار اللغات الأربع لغات رسمية في البلاد بضمانة الدستور، وكذلك إعطاء الحق لهذه المكونات بإدارة مناطقها بشكل من الإدارة الذاتية في المناطق ذات الكثافة السكانية من ذات المكون، إضافة للاعتراف بوجود المكونات الدينية من مسلمين ومسيحيين ويزيدية وصابئة مندانية وزردشتية ويهودية وكاكائية والشبك، وضمانها ممارسة معتنقي هذه الأديان لشعائرهم الدينية وإيجاد صيغ قانونية تضمن ذلك لهم، ويمكن اعتبار بنود هذه الوثيقة كنواة لمبادئ دستورية تناقش حين إعلان الدولة المنشودة.

ولكن بالنسبة للمدافعين عن الحالة التي تهيمن على المنطقة، من منطلقات عنصرية وتحجر فكري، فإن الفكرة الذي يطرحها الكرد تبدو لهم حالة متقدمة وغير مناسبة لمجتمعات المنطقة، وهذه بحد ذاتها إهانة لشعوبها، وترسيخ لفكرة الدونية التي لطالما عملت الأنظمة الحاكمة على زرعها في العقل الجمعي للمجتمعات المحكومة، فيقول أحدهم «الكرد يحسبون أنفسهم في أوروبا، ولا يحسبون حساباً لتعقيدات الشرق الأوسط الأشبه بمستنقع». لا ينكر الكرد أنهم يعيشون في مستنقع، لكن ما يمنحهم، وشركائهم من الشعوب الأخرى المؤمنين بضرورة التغيير، صفة فرسان التغيير، هو أنهم يسعون لتجفيف هذا المستنقع وإعادة تأهيله ليكون صالحاً للزراعة، وهذا ما يزيد حملهم أضعافاً.

بدون تعليق

اترك رد