الرئيسية رأي المرأة العاملة: أمل المجتمع الكردي في إعادة بناء المجتمع

المرأة العاملة: أمل المجتمع الكردي في إعادة بناء المجتمع

زوزان خلف
باحثة أكاديمية كردية سورية حاصلة على درجة الدكتوراه في التربية لها العديد من الأبحاث والمقالات المنشورة باللغات الكردية والعربية والإنكليزية.
مشاركة

مع احتدام الصراع في سوريا، تم تسليط الضوء على الدور الذي قامت به المرأة الكردية على الصعيد العسكري، إذ برزت القوات النسائية الكردية تحت مسمى «وحدات حماية المرأة» كأقوى كتيبة نسائية على الإطلاق في سوريا، وأظهرت المرأة في هذه القوات شجاعة بالغة لفتت انتباه الإعلام العالمي، وخصوصاً أثناء محاربة تنظيم داعش في أواخر عام 2014، وهو الانتباه الذي لم تحصل عليه المرأة في المجالات الأخرى، والتي لا يقل دورها فيها شجاعة عن دور المرأة المقاتلة.

لعبت المرأة الكردية في ظروف الحرب الدائرة في سوريا دوراً كبيراً لا يستهان به، وكما هو معروف، فإن آثار النزاعات المسلحة والحروب تقع على المرأة بشكل أكثر ضرراً مما يقع على الرجل، فقد خلفت الحرب في سوريا آثاراً اجتماعية كبيرة، وتسببت في الهجرة الإجبارية للكثير من الرجال، ما أدى إلى تراجع عدد الأسر التقليدية التي كان يترأسها الرجل لصالح الأسر التي تترأسها النساء، وتغيرت الأدوار التقليدية للمرأة وازدادت مسؤولياتها تجاه كسب العيش ورعاية الأطفال، ورعاية الوالدين المسنين، كما زادت هذه الحرب من عدد النساء الباحثات عن أطفالهن وأزواجهن المخطوفين والمختفين لفترة طويلة. هذه التغيرات التي جرت ضمن الأسرة أجبرت غالبية الفتيات لتسلم زمام الأمور فيها، ما أثر على شخصيتها وجعلها أكثر ثقة بنفسها وتحملاً للمسؤولية، فبعد أن كان لها دور ثانوي في أسرتها قبل الحرب، ولم يدخل راتب المرأة العاملة ضمن ميزانية مدخول ومصاريف الأسرة، بل كان راتبها لمصروفها الشخصي، أصبحت اليوم هي من تترأس الأسرة ويقع على عاتقها مسؤولية إعالتها وتأمين الحياة الكريمة لها. وذلك لم يكن غريباً على المرأة الكردية بحكم ما فطرت عليه المرأة عامة من غريزة الأمومة والتي جعلتها أكثر ارتباطا بأسرتها وأكثر سعياً نحو السلام، فمن طبيعة المرأة الإنسانية أنها تلعب دوراً إيجابياً أثناء قيامها بالأدوار الاجتماعية والاقتصادية خاصة تلك التي تخص الأسرة من كفالة ورعاية واهتمام.

كما وظهرت المرأة بدور فاعل جداً في تطوير الاقتصاد في المناطق الكردية بسوريا، إذ بدأت تطفو على السطح ظاهرة جديدة وهي دخول المرأة الكردية إلى مجالات جديدة لم تكن تمتهنها سابقاً، بل كانت حكراً على الرجال نوعاً ما، كالعمل في التجارة وافتتاح المحلات والمطاعم والمخابز النسائية، ناهيك عن توسيع دائرة أعمالها لتشمل إدارة الورش الصناعية واليدوية والخياطة، كما توسع دورها في المجال الإعلامي، سواء في تقديم البرامج أو كمراسلة إعلامية، بالإضافة إلى عملها ضمن منظمات خيرية وإغاثية، وأصبحت مدربة لمجالات مدنية وحقوقية عدة، فظروف الحرب اقتضت ظهور مهن جديدة للمرأة مكنتها من خوضها لتتفوق أحياناً على نظيرها الرجل فيها، وأثر ذلك بدوره على المجتمع، فلم يعد يحتمل البوتقة الضيقة من العادات التي كانت تمارس فيها قبل الحرب، وذلك توافقاً مع متطلبات الحياة الجديدة ومواكبة للتطورات على كافة الأصعدة، إذ أصبحت الكثير من الفتيات يقضين معظم ساعات يومهن ما بين العمل أو الدراسة أو حضور الورشات التدريبية التي تدار من قبل منظمات المجتمع المدني على اختلاف مواضيعها، وهذا ما أثر على تكوين شخصياتهن وتحقيق ذاتي لهن، وتوسيع مفاهيمهن العلمية والثقافية وزرع روح المحبة والتعاون ضمن الفريق وإزالة الأنا الفردية، والذي ينعكس بالإيجاب على المجتمع ككل، وذلك بغض النظر عما تتعرض له في الكثير من الأحيان من منافسة الرجل وذلك بسبب قلة الخبرة والممارسة العملية لها في تلك المهن، والإغراءات المادية والسياسية التي تقدم لها.

أصبحت المرأة الكردية عنصراً بارزاً في المجتمع ويمكن التعويل عليها في لعب دورٍ رياديٍ وفاعل لإعادة إعمار المنطقة الكردية وتطويرها في كل مجالات التطور والتقدم والاستفادة من التقنيات الحديثة الهادفة التي تخدم الإنسان ومتطلباته، وبناء مجتمع جديد تكون فيه المرأة عماده الأساسي ويحقق لها دوراً فعلياً في صياغة دستور جديد يعطيها الحق في قيادة المجتمع، ويمكنها في ذلك أن تحتذي بالمرأة الألمانية وما فعلته إبان الحرب العالمية الثانية، فقد استطاعت ألمانيا بفضل نسائها وخلال فترة زمنية قصيرة أن تكون في مستوى الدول المتقدمة في العالم.

Leave a Reply