الرئيسية رأي تركيا من حالة الهجوم إلى الدفاع

تركيا من حالة الهجوم إلى الدفاع

آلان حسن
كاتب صحفي كردي سوري، ينشر في عدد من وسائل الإعلام الكرديّة والعربيّة والدوليّة، مهتم بالشأن السوري والكردي. ويكتب باللغتين العربيّة والإنكليزيّة.
مشاركة

شكّل الدخول التركيّ لمدينة إدلب تتويجاً لمسارٍ طويل رسمتْه التغيرات في خريطة التحالفات الإقليميّة والدوليّة بدأت منذ نشوب الحرب السوريّة أوائل العام 2011، إذ تقف تركيا اليوم على مفترق طرق في تحالفاتها تلك، فحكومة حزب العدالة والتنمية، وبعد أنْ كان منظّرها الأبرز، أحمد داوود أوغلو، يبشّر بسياسة صفر مشاكل، ويعد بشرق أوسط جديد بريادة تركيّة، عن طريق تشبيك العلاقات مع الدول العربيّة والإسلاميّة، وذلك في كتابه الشهير (العمق الاستراتيجي)، أصبحت الآن تلملم شتات علاقاتها مع العديد من دول المنطقة، من حكومة الرئيس السوري بشار الأسد التي كانت في تحالف استراتيجي معها، إلى الحكومة العراقية التي وصل مستوى الخلافات بينهما إلى حدّ تراشق الاتهامات والتهديدات، وصولا إلى الحكومة الإيرانية التي لطالما اتهمها المسؤولون الأتراك باتباع سياسة طائفيّة في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان.

إلا أن حلم حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان بريادة شرق أوسط جديد أصيب بانتكاسات قاتلة، فبعد أنْ كانت طموحاته تتجاوز حكم سوريا إلى تونس مروراً بمصر، وذلك عبر ذراعه الأقوى جماعة الإخوان المسلمين، الطرف الأكثر تنظيماً فيما سمّي بثورات الربيع العربيّ، أصبحت تهاجم لأجل الدفاع عن حدودها فقط. خسرت في تونس مع اضطرار حركة النهضة التونسيّة (الإخوانية) إلى التحالف مع العلمانيين، واتباع سياسات انفتاحيّة بعيدة عن روحيّة الإخوان، وذلك في مسعىً لضمان تقبّل المجتمع التونسيّ العلمانيّ لحكم جماعة إسلاميّة. كما خسرت في مصر التي شكّل انقلاب الجنرال السيسي على حكم الرئيس السابق محمد مرسي، وإيداع معظم قيادات الإخوان في السجن، ضربة قاصمة لمركز ثقلهم في الشرق الأوسط.

أصيبت تركيا بذات الانتكاسة في سوريا أيضاً، فقد أفضى الاستقطاب الحادّ الذي ضرب المجتمع السوريّ نفوراً مضطّرداً من الانتهازيّة التي مارستها (الجماعة) سياسيّاً وعسكريّاً، إذ تمّ فرز الشعب السوريّ إلى متطرّف لم يجد في الإخوان ما يلبّي طموحاته الطائفيّة المتشدّدة، وعلماني بعيد كل البعد عن الاستغلال السياسيّ للإسلام الذي تمارسه الحركة منذ نشوئها في عشرينيات القرن الماضي، أضف إلى ذلك الكرد، الذين يملكون مشروعاً لا مركزيّاً في سوريا سقفه الفيدراليّة، وعملوا في سبيل ذلك على قضم سلطات الحكومة السورية شيئاً فشيئاً في مناطق سيطرتها، كما أعلنوا عن نظام فيدراليّ مجتمعيّ بالاشتراك مع عدد من مكوّنات المنطقة، وذلك في مقاطعات الجزيرة والفرات وعفرين.

وحيال خساراتها في سوريا، دخلت القوات التركيّة، بالتعاون مع حلفائها من المعارضة السورية، إلى مناطق جرابلس والباب العام الماضي في مسعىً لفصل مقاطعتي كوباني وعفرين، الأمر الذي يمنع قيام الفيدرالية الكردية، ومنع وصولها إلى منفذ بحري يخلق منها كياناً قابلاً للحياة. الحدّة التركية هذه خلقت نفوراً كبيراً في علاقتها بحليفتها الأبرز، الولايات المتحدة الأمريكيّة، التي تدعم قوات سوريا الديمقراطيّة، والتي تشكل وحدات حماية الشعب (الكرديّة) عمودها الفقريّ ورأس حربتها. الأمر الذي جعل الحكومة التركيّة تعيد رسم علاقتها مع روسيا الاتحاديّة، والتي كانت بالغة السوء على خلفية دعم الأخيرة للحكومة السوريّة، وإسقاط أنقرة لطائرة سوخوي روسية أواخر العام 2015.

لم تعد تركيا تعوّل على وقوف الولايات المتحدة الأمريكيّة إلى جانبها كحليفٍ تاريخي، ولا على دعم حلف شمال الأطلسي للحفاظ على أمنها القوميّ، وفي سبيل ذلك زادت من تعاونها مع روسيا الاتحاديّة بغية إيجاد موطئ قدم لها في سوريا لتقف بوجه أي مشروع كرديّ يهدد كيانها لاحقاً، فوافقت على اتفاقيات خفض التوتر بين فصائل المعارضة السورية، وبين الجيش السوريّ، في خطوة تبعها اتفاق على دخول فصائل سوريّة موالية لتركيّا برفقة الجيش التركيّ، قاطعة الطريق على أي مسعى لدخول قوات سوريا الديمقراطيّة المدعومة أمريكيّاً لمحافظة إدلب الحدودية، تستخدمها لاحقاً لوصول الفيدرالية الكرديّة إلى البحر المتوسط.

ولطالما عبّر قياديون كرد عن استعدادهم لمعركة السيطرة على إدلب (معقل تركيا في سوريا)، كخطوة تالية لانتهاء معركة دير الزور، وذلك في سياق السباق مع كل من الجيش السوري، وبعض فصائل المعارضة السورية على دخول المدينة الحدودية. الخطوة تلك، إن تمّت، فتعني مواجهة كردية مع جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) وعديد فصائل المعارضة السورية التي تتلقى دعماً مباشراً من تركيا، وبالتالي سيكون الانتصار الكردي على حساب الهزيمة التركية، الأمر الذي يهدد وجود أنقرة فعلياً داخل سوريا، خصوصاً بعد هزيمتها في حلب (عاصمة وجودها في سوريا سابقاً) ما يهدد بقطع أي تواصل تركي مع الأراضي السورية، الأمر الذي يضعف من نفوذ أنقرة داخل سوريا، وفي هذه الحالة سيتم استبدال الامتداد السابق بآخر كردي، في سيناريو هو الأسوأ للحكومة التركية، وهذا ما سيشكل نكوصاً آخر تركياً في لعبة النفوذ الإقليمي لحكومة العدالة والتنميّة التركيّة، وقد يعني خللاً في دورها داخل التوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، والتي لطالما كانت أحد أبرز أقطابها.

كل المتغيرات تلك جعلت تركيا تقوم باستدارة في سياستها لتتكيف مع التغيرات الحاصلة، كانت من نتائجها تلاقي مع الحكومة السورية –ولو على مضض- من ناحية التعامل مع الشريط الحدودي الفاصل بينهما، وتفاهمات أخرى تتعلق رعتها روسيا، وأفضت إلى اتفاقات متعلقة بالتعاون المشترك في حال تعرضت لسوريا لخطر التقسيم، وهذا ما قد يشكل أرضية قوية لعودة تدريجية لعلاقات الحليفين السابقين، بنفس آخر، وهواجس أخرى.

Leave a Reply