الرئيسية رأي مسعود البارزاني: آخر القوميين الكرد

مسعود البارزاني: آخر القوميين الكرد

شورش درويش
كاتب كردي من سوريا يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية.
مشاركة

مع العداء الكبير الذي أبدته بغداد، وتزامناً مع الهجمة الإقليمية الشرسة، وتحت ظلال الصمت الدولي الثقيل، عانت كردستان العراق هزيمة كبرى ربما فاقت التصوّر، إذ تسببت بجرحٍ غائر في الوجدان الكردي برمته، ليصار إلى التخفيف من آثار الهزيمة عبر استخدام حزمة من المفردات: كتوصيف الهزيمة بـ«الانتكاسة والنكسة»، أو الحديث عن أن القطار لم يفت بعد، وأن الاستقلال قادم لا ريب، دون إجابةٍ عن الأسئلة الجوهرية التي تتضافر في العقل عن متى وكيف سيأتي الاستقلال؟

في السياق المتسارع للهزيمة، دأب المثقّفون العرب على تشبيه الرئيس مسعود البارزاني بالزعيم العربي جمال عبد الناصر، على اعتبار أن عبد الناصر كان أبرز القوميين العرب المتبدين على شكل زعامة تاريخية غير قابلةٍ للمنافسة أو للاستنساخ، و كان أكبر المؤثرين في الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، وآسراً لقلوب العرب التوّاقين إلى التحرر من بقايا الاستعمار، ثم صاغت مسألة فلسطين، بما هي شبيهة الاستقلال عند البارزاني، أبرز ملامح شخصية ناصر الذي توعّد اليهود بالويل والثبور وعظائم الأمور، إلى أن حلّت هزيمة حزيران 1967 والتي قوّضت البنيان الناصري، وكشفت هشاشة النظام العربي وأنه مجرّد نظام شعاراتي قابل للانكسار والهزيمة، كأي نظام يحتكم إلى الشعارات والبلاغة اللفظية في التجييش والتعبئة، ولا يأخذ في الحسبان الظروف الدولية والإقليمية، ولا الإمكانات الفعلية.

في التشبيه الحاصل بين الشخصين/الزعيمين ثمة فوارق جمّة، لكن ثمّة قواسم مشتركة لجهة الخطاب العاطفي القادر على تسعير الجماهير وأخذها إلى عوالم تكون فيها حرّة ترفل بالكرامة، إضافةً إلى التحدّي الذي أبداه البارزاني للدول العظمى ودول الجوار في مسار المضي في الاستفتاء الاستقلالي والذي يشبه تحدّيات عبد الناصر للدول العظمى إبان العدوان الثلاثي 1956، وبالتالي فإن فائض القوة لدى البارزاني والاعتداد بالنفس في الخطب والمقابلات المتلفزة يعكس الهمّة القومية العالية التي تفتقد إلى الشروط الموضوعية والذاتية التي قد تحققها، كالتي كانت عند عبد الناصر. إلى ذلك، كانت هزيمة حزيران قد أدت بالاتجاه التبريري المتحلّق حول ناصر إلى القول إن الهزيمة ما هي إلا «نكسة»، لنجد طبعة غير مزيدة أو منقحة لهذه المفردة في القاموس الكردي المعاصر الذي يسمّي الهزيمة نكسة، تدويراً لتجربة عربية قومية أسبق للكردية في الهزيمة المحضة.

ما تعرّض له البارزاني وكردستان العراق من عقوبات فاق التصوّر لجهة أن مفاعيل الهزيمة القومية المتمثّلة بوأد حلم الاستقلال طاولت الكرد في الأجزاء الكردستانية الأربعة عبر مزيج من مشاعر الانكسار من جهة، والإحباط من إمكانات القيادة الكردستانية من جهة أخرى، وكذلك قوّت من حضور الدول الإقليمية في تضاعيف المشهد الكردستاني وما استتبعه من فرض وصايا صارمة تشبه وصايا حكومات الانتداب في فترات سابقة، لتصبح مسألة الحفاظ على الفدرالية وصونها كأحد مكتسبات كفاح شعب كردستان، هي ما يؤرّق الكرد.

مع كل ما حصل، خرج البارزاني إلى العلن، رافضاً تحمّل المسؤولية أو أقساط منها، ليحمّل شركاء له في الإقليم مغبّة ما حصل، وليتحدّث عن خيبة أمل بالحلفاء، وليعلن الانسحاب من المشهد السياسي عبر عدم ترشحه للانتخابات القادمة لرئاسة الإقليم، بمعنى أنه لن يصر على البقاء في منصبه، وهذا الأمر لن يكون منّة أو فضلاً بقدر ما هو استحقاق كانت قيادة الإقليم قد تجاوزته عبر التمديد للبارزاني مرتين متتاليتين.

وإذا كنّا في سياق التشبيه بين ناصر والبارزاني كزعيمين افترضنا أنهما آخر القوميين، فإنه حريٌّ بنا السير أبعد، وذلك عبر التفكير حول مصير الخطاب القومي الكردي القادم، فهل سيكون نسخةً من الساداتية (نسبة إلى أنور السادات) الذي حوّل القومية إلى وطنية ضيّقة، وأعاد فهم وصياغة العروبة وفق سياقات معاصرة أخرجته من الهالة القدسية التي نسجها ناصر؟

في الأفق يبدي الجيل الجديد من قادة الإقليم مرونةً مريبة حول العلاقة مع الخصوم الإقليميين والمحليين، فهذه المرونة هي أقرب لمرونة السادات التي زار، في غفلة من الزمان، تل أبيب، ولعل الصورة المشابهة تكمن في إبداء القادة الجدد للإقليم مرونة مشابهة إزاء طهران وأنقرة وبغداد.

في الأفق أيضاً، ثمة إمكانية لاندثار الخطاب القومي القار الذي برع الآباء البارزانيون في نسجه وحياكته، لصالح آخر جديد قوامه الحسابات والشراكات المالية، ولعل هذا التبديل في الخطاب هو الكفيل بالحفاظ على السلالة الكردية الحاكمة، في شكلها البارزاني الكلاسيكي، والسلالة الطالبانية الناهضة وحديثة النشأة، كسلالة مقلّدة للبارزانية، وحسبنا أن نتمعن في صورة وخطاب السيدين نجرفان البارزاني وقباد الطالباني، لنفهم كنه السياسة القادمة، والتي ستكون أقل قومية من تلك التي خاض فيها آخر القوميين الكرد، مسعود البارزاني.

Leave a Reply