الرئيسية رأي عينٌ على إيران وأخرى على تركيا

عينٌ على إيران وأخرى على تركيا

حسين جمو
كاتب كردي من سوريا متخصص بالشؤون الكردية في الشرق الأوسط، له العديد من المقالات في المواقع والصحف الكردية والعربية، كما نشر عدة أبحاث حول القضية الكردية في تركيا وسوريا
مشاركة

وضعت الأحداث الأخيرة في جنوب كردستان وخسارة كركوك لصالح الحكومة المركزية الكرد أمام استعادة خيارات مجربة مسبقاً لكن في ظروف داخلية وإقليمية مغايرة، وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنها خيارات جديدة، وعلى رأسها فكرة أن يتجه السيد مسعود بارزاني إلى تشبيك علاقات مع إيران كحليف إقليمي مقبل. وفكرة الحليف هنا تُطرح في سياق استراتيجي لكن جذرها الأساسي يعود إلى انعدام الخيارات أمام الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبشكل أدق أمام رئيس الحزب مسعود بارزاني.

تقوم فرضية التحالف مع إيران على الوقائع الأخيرة التي أدت إلى فشل مشروع الاستفتاء والاستقلال. فإيران هي الدولة التي قادت العملية ورعتها، وبالتالي هي التي تستطيع تمريرها لو أرادت!

يكمن ضعف هذا الطرح في أنه يقوم على العقلية السياسية ذاتها التي ربطت الإقليم وكل مقدراته الاقتصادية بالدولة التركية على مدى سنوات. ولو أن هناك أدوات جديدة لنسج سياسات مستقلة تقوم على التوازن الإقليمي، فإن إعادة تعريف العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وإيران – أو بين بارزاني وقاسم سليماني – ينبغي أن تكون على رأس الخيارات الجديدة، ومن المرجح أن هذا المسار هو ما تريده إيران أيضاً، مع ما نشرته مواقع مقربة من السلطة الإيرانية حول رسالة عزاء وجهها بارزاني شخصياً إلى قاسم سليمان بوفاة والده مطلع شهر تشرين الثاني الحالي.

هذا التحول لم يتبلور بعد في ظل التوتر القائم بين أربيل وبغداد، إضافة إلى الانقسام الداخلي في جنوب كردستان. لكن دونه مشكلات أخرى ستواجه الإقليم، فهناك قوى أخرى قريبة من إيران، مثل الجناح الطالباني في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وبذلك ستدخل قوى كردستانية في حالة تنافس من أجل نسج علاقات أقوى مع إيران، ما يعني تقديم كل طرف لتنازلات أكبر. وهذا الطرح الذي يتم تداوله همساً حتى الآن قد يكون مثمراً في حالة تخلي الإقليم بشكل تام عن مشروع الاستقلال، وتالياً تحول هذه الأحزاب إلى «أحزاب كردية عراقية» وتعود إلى حالة اللعب السياسي داخل العراق وضمن «العراق الموحد». ضمن هذا الإطار (أي العراق الموحّد) يمكن أن تساند إيران بعض القوى الكردستانية في وجه ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، أما خارج هذه المعادلة فلا مكان للكرد لدى إيران.

الجانب الآخر المسكوت عنه في هذا الطرح عدم وجود مراجعة علنية للعلاقات السابقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وتركيا، حتى أن الإعلام الذي يديره الحزب يتفادى سرد مراجعات تتناول الدور التركي الرئيسي في إجهاض مشروع استقلال جنوب كردستان. فإيران في نهاية الأمر هي التي نفّذت العملية تحت غطاء الحشد الشعبي، إلا أن مشروع التدخل نفسه سعت إليه تركيا ولو أن ذلك جاء على حساب جزء من مصالحها.

إذا كانت العقلية التي ستقود الكرد إلى إيران هي العقلية ذاتها التي قادت «العلاقات الاستراتيجية» مع تركيا خلال السنوات الماضية، فإنه لا يمكن توقع نتائج مغايرة للذي حدث في كركوك وشنكال وربيعة وطوزخورماتو. والتاريخ الكردي مليء بهذه ا السيناريوهات في توزيع الولاءات بين الدول الإقليمية، فإمارة بابان التي انهارت منتصف القرن التاسع عشر كانت تعتمد هذه التكتيكات في موالاة الفرس أو العثمانيين، مستفيدة من التناقضات الحادة بين الإمبراطوريتين، غير أن هناك لحظات تاريخية استثنائية في العلاقات المشتركة بين الدولتين يتم فيها أخذ «نَفَس» من الصدامات والحروب، ولم يستطع الكرد ولا مرة النجاة من استراحة الدولتين. التناقضات الحالية بين إيران وتركيا كبيرة للغاية ولا يمكن تأسيس تحالف بينهما بالأجندات الحالية لكل منهما، لكن شرط النجاة من «الاستراحة» يكمن في قوة المقاومة وليس في اعتبار تلاقي الدولتين «قضاء وقدراً» يستوجب الاستسلام. والتسويق الأكبر للاستسلام يأتي من هذا الرأي الذي يربط الاستقلال بموافقة كل من إيران وتركيا. على العكس تماماً، إذا أيّدت تركيا وإيران استقلال كردستان فإن الأمر سيحتاج إلى إعادة نظر والكثير من الحذر، فهاتان الدولتان هما دولتا أزمات في المنطقة تاريخياً ولا يوجد استقرار طالما كانت لهما اليد العليا في التحكم بمصير الكرد. واليوم كل الخشية أن «يتذاكى» البعض ليكون نصف عائلته مع تركيا والنصف الآخر مع إيران مقابل الإبقاء على الأدوات التقليدية في تقاسم السلطة وتعطيل المؤسسات الدستورية.

من جهة أخرى، يقف وراء الاندفاع تجاه إيران شعور بالمرارة بأن الولايات المتحدة تخلّت عن الكرد وفضّلت بغداد على أربيل، وهي مقولة صحيحة ظاهرياً وفقاً للنتائج، وهذا الرأي يغفل تعقيدات كبيرة غير سياسية، ومن أهمها الصراع بين شركات النفط الأجنبية. وإلقاء اللوم على أميركا بشكل كلي يخفي مسؤولية تركيا في الهزيمة الكردية، سواء بقصد أو بدون قصد.

لا توجد فضيلة لإيران يجعل منها حليفاً للكرد طالما أن هذه الدولة هي جزء من أزمة الكرد، لكن يمكن التخفيف من أضرارها دون أن يصبح الأمر تحالفاً استراتيجياً كالمهزلة «الاستراتيجية» التي حدثت مع تركيا، والتي ما زالت مستمرة.

Leave a Reply