الرئيسية رأي في انتظار التصحر والخراب

في انتظار التصحر والخراب

بيروز بريك
محرر في مجلة شار، إداري في منظمة شار للتنمية، لديه مقالات وقصص خبرية متفرقة في مواقع وصحف كردية وعربية.
مشاركة

كثيرة هي الملفات التي تؤخر وتهمل في خضم الحرب، إلا أن أكثرها تعرضاً للإهمال هو ملف البيئة وحمايتها بما ينطوي عليه من خطورة لا تقف عند حدود لحظات أو شهور أو سنوات، بل قد يمتد أثرها لعقود سيسودها التلوث والتصحر والخراب، فيما يتحدث أطباء مختصون في المنطقة عن نسب السرطانات المرتفعة، عدا عن الأمراض الصدرية والباطنية الناشئة عن التلوث. رغم ذلك، ليس هنالك في الأفق أي مسعى لتنظيم الجهود والوقوف على هذه المخاطر، لوضع الحلول الإسعافية المرحلية، والتي لا تغني عن التخطيط والدراسات العلمية ووضع الاستراتيجيات في زمن السلم والاستقرار، كما يغيب صوت المثقفين ورواد شبكات التواصل الاجتماعي في هدا الصدد فهم منشغلون بالتحليلات السياسية والتخوين والاتهامات التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

في كل مدن الجزيرة وأريافها كانت البيئة مهملة أصلاً، وتعاني مخاطر التصحر والتلوث قبل الحرب بسبب الظروف المناخية السائدة وسنوات الجفاف، عدا عن سياسات النظام التي كان قوامها الإفساد الممنهج وحجب التنمية عن المنطقة. ويستمر تفاقم الوضع إلى الآن، فمع انتشار حراقات النفط البدائية في مناطق عديدة شرقي الجزيرة، وانعدام مشاريع التشجير وتنظيف أحواض الأنهار، وغياب تأهيل مرافق خدمية عديدة، وعدم وجود أنظمة فلترة لعوادم المولدات المنتشرة في المدن يزداد حجم التحديات، وبما أن الإدارة الذاتية تولي في معظم أدبياتها النظرية اهتماماً كبيراً بالإيكولوجيا، وتشدد على بناء مجتمع قائم عليها، فهي بذلك تتحمل مسؤولية مضاعفة في التصدي لمسلسل الاستنزاف البيئي، ولا سيما في شرقي منطقة الجزيرة ما بين ريف تربه سبيه الغربي وحتى تخوم مدينة ديرك، إذ إن الكارثة البيئية تلاحظ بالعين وليست بحاجة للمختبرات العلمية كي يتم الاستدلال على انتهاك النظام الإيكولوجي، وهذا ما يحتم على الإدارة الذاتية الاعتراف بتقصيرها ومساهمتها في تفاقم الوضع البيئي وإيجاد حلول ناجعة ومستدامة دونما تأخير للحد من خطورة الوضع.

دخان كثيف يتصاعد من حراقات نفط بدائية – بيروز بريك

عادة ما تكون المناطق النفطية أكثر عرضة لتلوث الأراضي المحيطة بالآبار والخزانات نتيجة برك المخلفات النفطية والتسربات، والتي ربما لم توضع حلول لمعالجتها وتصريفها منذ بداية استجرار النفط من المنطقة، إلا أن هذا الخطر تضاعف مع فوضى التكرير البدائي الذي بدأ واضحاً منذ سنة 2012، ولا تلوح في الأفق أية بوادر لوضع حلول جدية تخفف من الأخطار الصحية والبيئية التي ترافق عملية تكرير النفط، وقد تناول الإعلام المحلي موضوع الحراقات والتكرير البدائي بشكل كبير، وصدرت قرارات عديدة من قبل وزارة البيئة، غير أن تطبيقها وقتي.

من جهة أخرى، تتحمل المنظمات الدولية العاملة في المنطقة جزءاً كبيراً من واجب التصدي لخطر التصحر وتلوث الجو، إذ يرفض المانحون تمويل المشاريع والبرامج المشتملة على التشجير الحراجي والمثمر، متذرعين بأن زراعة الأشجار تتطلب وقتاً طويلاً للحصول على مؤشرات نجاحها، والتي قد تستغرق سنوات عدة، بينما هم يميلون لدعم مشاريع قابلة للتحقق والتقييم خلال فترات شهور، وهذا ما يعرقل جزءاً من مساعي زراعة الأشجار التي لها فوائد جمة في تحسين الجو الملوث ومكافحة التصحر واستجلاب المطر، عدا عن فوائدها الجمالية والاقتصادية.

طبعاً هذا لا يعفي المنظمات المدنية المحلية من واجباتها تجاه الحد من فداحة هذه الأخطار، فهي، وإن كانت تعتمد على المنح المقدمة من المانحين المستنكفين عن تقديم الدعم في هذا المجال، إلا أنها قادرة على تنظيم حملات المناصرة واتباع أساليب الضغط على الإدارة الذاتية وهيئاتها المختصة من جهة، وعلى المنظمات الدولية العاملة في المنطقة والمانحة من جهة أخرى. كما يتوجب عليها توعية المواطنين بخطر تلوث الهواء والتربة وآثارها الكارثية على الأجيال. بإمكان المنظمات المحلية أيضاً تهيئة مسوح ميدانية وتقييمات تعكس واقع الحال من خلال الاستعانة بخبرات عديدة في المنطقة، وأن توجه منافذها الإعلامية إلى التنبيه للمخاطر المحدقة بالمنطقة جراء الإهمال والتلكؤ.

ثمة واقع بيئي غير مبشر يواجه العالم ككل، وتنتشر أصداء انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي ترامب من اتفاقيات الحد من الانبعاثات، كما أن هنالك جهوداً دولية أخرى معاكسة تصب في خدمة كوكب الأرض ومصيره البيئي، وهذا الصراع على المصالح والأسواق لا ينبغي أن يبقينا محايدين في قضايا تمس الصحة والوجود بحيث نجد أنفسنا غير فاعلين أو هامشيين وعاجزين حتى عن دق ناقوس الخطر. فأكبر درجات السلبية هي أن يشيح مجتمع ما بوجهه عن خطر يتهدده، بحيث لا يكترث ولا يقيم وزناً له إلى أن يداهمه ويفتك به.

Leave a Reply