مشاركة
محمد علي أحمد
من مواليد كوباني 1976، خريج كلية الآداب في جامعة حلب. له العديد من المقالات والتحقيقات والأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الالكترونية والمطبوعة.

«بعد عام ونصف من زواجنا، بدأت المشاكل بيني وبين زوجتي سهام، كنا نتشاجر لأبسط الأسباب وتعلو أصواتنا، ثم نتصالح كعادة كل الأزواج، خاصة في بداية حياتهم المشتركة، وأحياناً كان الجيران يسمعون أصواتنا حين يحتدم الشجار بيننا، إلى أن أبلغ ‹فاعلو الخير› عن وضعنا لبيت المرأة». يقول عبدو، 39 عاماً ولاجئ في ألمانيا.

بيت المرأة (Mala jinê)، وهو من المؤسسات المحدثة من قبل الإدارة الذاتية، التي باتت فيما بعد الرقيب على تطبيق قوانين المرأة التي أقرتها المؤسسات التشريعية لهذه الإدارة عام 2014، وتناصر كافة قضايا وحقوق النساء في كردستان سوريا، ساهمت بشكل مباشر في التفريق بين عبدو وزوجته، الذي يروي كيف أن «الرفيقات» من بيت المرأة «استلموهم»، وذلك عبر «زيارات إلى البيت، واستدعاء زوجتي بشكل شبه يومي، وتهديدي بالسجن والغرامات، لتسوء علاقتي بزوجتي يوماً عن يوم، حتى جاء اليوم الذي وصلني فيه استدعاء إلى بيت المرأة للتفريق، وحدث الطلاق».

تزايد دعاوي الطلاق

الأرقام تظهر بشكل واضح تزايد قضايا الطلاق في كردستان سوريا، منذ عام 2015، وهو العام التالي لصدور قوانين المرأة.

حالة طلاق عبدو وسهام، هي واحدة من حالات كثيرة باتت تتكرر في غالبية مدن ومناطق كردستان سوريا بعد صدور قوانين المرأة، إلى جانب عوامل أخرى ساهمت في زيادة حالات ودعاوي الطلاق، والتي باتت حالياً «أكثر بعشرة أضعاف عما كانت عليه في السنوات السابقة»، وفق ما يؤكد لروك أونلاين المحامي كاوا فاطمي من الحسكة، والذي ينظر في القضايا المدنية أمام محاكم الشعب التابعة لـلإدارة الذاتية ومحاكم الحكومة السورية.

وبحسب سجلات بيت المرأة الشرقي (الصالحية) في الحسكة فقط، فقد وصلت إليهم عام 2015، 28 قضية طلاق تم تحويل 27 منها لمحكمة الشعب وحالة واحدة للنيابة. ليرتفع هذا العدد عام 2016 إلى 38 قضية، تم تحويل 31 حالة منها للمحكة و7 للنيابة. ويصل الرقم عام 2017 إلى 46 قضية، تم تحويل 28 منها للمحكمة و18 للنيابة.

علماً أن الكثير من مواطني كردستان سوريا لا زالوا يعتمدون في تنظيم شؤونهم المدنية كتثبيت الزواج والطلاق وغيرها، على دوائر الحكومة السورية، لأنها ‹أمور سيادية› تحتفظ بها دوائر النظام السوري، وحتى الآن لا تزال المسائل المتعلقة بالهويات الشخصية ودفاتر العائلة وتثبيت الزواج والطلاق تنظر إلى حد كبير أمام دوائر ومحاكم الحكومة السورية، وفق المحامي فاطمي.

ورغم ذلك، فالأرقام السابقة كنموذج للقياس، تظهر بشكل واضح تزايد قضايا الطلاق في كردستان سوريا، منذ عام 2015، وهو العام التالي لصدور قوانين المرأة.

فهل تقع المسؤولية على قوانين المرأة؟

بتاريخ الأول من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2014، أقرت الحاكمية المشتركة لمقاطعة الجزيرة «المبادئ الأساسية والأحكام العامة الخاصة بالمرأة»، والتي كان المجلس التشريعي للمقاطعة قد صادق عليها بجلسته رقم /27/ لعام 2014. وقد لعبت هذه القوانين والمبادئ دوراً كبيراً في الحياة الاجتماعية والأسرية بكردستان سوريا خلال السنوات التي تلت صدورها.

نحن نتدخل من تلقاء أنفسنا حين نسمع بحالة زواج قاصرة أو زواج من ثانية، أو تعرض امرأة للظلم

وتتضمن المبادئ الأساسية لما بات يعرف فيما بعد بقانون المرأة، 21 بنداً، تدور بشكل رئيسي حول تحقيق المساواة بين المرأة والرجل من عدة نواحي، أبرزها «منع الطلاق بإرادة منفردة»، إضافة إلى «منع العنف والتمييز ضد المرأة»، كما أنها تمنع تعدد الزوجات وبعض الأشكال الأخرى من الزواج كالحيار والشغار والدية.

فيما تنص أهم الأحكام العامة لقانون المرأة على منع تزويج الفتاة قبل 18 عاماً، وضمان حقها «في الأشيـاء الجهازية التي قدمتها والمصاغ الذهبي أو ما يعادل قيمتها في حال التفريق»، بالإضافة إلى حقها في حضانة أطفالها حال الطلاق بين الزوجين.

هذه المبادئ والقوانين حققت قفزة في نواح عديدة بالمجتمع الكردي السوري، وقوّت ظهر المرأة حسب آراء كثيرة، ولكن لا يخفى أيضاً أنها «واجهت بعد صدورها معارضة واسعة من مختلف الجهات والأطراف، وقالوا إن الخلافات الناشبة بين الأزواج سببها هذا القانون، وهذا ليس صحيحاً»، حسب ما أفادت لروك أونلاين نعيمة محمود، المسؤولة في بيت المرأة الشرقي (الصالحية) في الحسكة، مضيفة: «نحن نعمل لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في روجآفا».

إلا أن واجب تطبيق هذه القوانين لا يقتصر على الجهاز القضائي للإدارة الذاتية، بل غالباً ما يكون بيت المرأة مسؤولاً عن التدخل في الكثير من الحالات المتعلقة بهذه القوانين. إذ تضيف المسؤولة في بيت المرأة: «نحن نتدخل من تلقاء أنفسنا حين نسمع بحالة زواج قاصرة أو زواج من ثانية، أو تعرض امرأة للظلم، ومن واجب الجميع إبلاغنا عن الحالات المماثلة ليتخلص المجتمع من هذا المرض».

إلا أن عبدو لا يتفق مع ما تذهب إليه نعيمة محمود في نظرتها الإيجابية لتدخل بيت المرأة، بل يعتقد أن الدعم الكبير الذي وفرته بيوت المرأة للنساء في كردستان سوريا، كان مبالغاً به أحياناً، وأفضى في كثير من الحالات إلى تفكك الأسر وحالات الطلاق، إذ «لا تخلو أي أسرة من المشاكل بين الأزواج، وغالباً تنتهي هذه المشاكل بشكل أو بآخر داخل الأسرة، إلاّ حين يتدخل طرف ثالث، حينها تكبر المشاكل ويصعب حلها».

دعاوى الطلاق لدى الإدارة الذاتية أكثر منها لدى النظام

99% من قضايا الطلاق الموجودة أمام محاكم الشعب وبيوت المرأة في روجآفا مسجلة من قبل النساء، فيما ترفع دعاوي الطلاق أمام المحاكم الشرعية الحكومية بنسبة 90% من قبل الرجال

يؤكد المحامي كاوا فاطمي، أن حالات وقضايا الطلاق أمام محاكم الشعب وبيوت المرأة في منطقة الجزيرة أكثر بعشر مرات من تلك الموجودة أمام المحاكم الحكومية.

ويُرجع سبب ارتفاع أعداد قضايا الطلاق أمام محاكم الشعب إلى «قانون المرأة الذي صدر في روجآفا كردستان منذ 4 سنوات، والذي يمنع تعدد الزوجات، وأيضاً الحرية التي نالتها المرأة في روجآفا كردستان، والذي قد يفهم بشكل خاطئ من قبل بعض النساء، ويتحول من سلاح لصالحها إلى ضدها»، حسب رأيه.

ويضيف المحامي المتخصص بالقضايا المدنية، أن 99% من قضايا الطلاق الموجودة أمام محاكم الشعب وبيوت المرأة في روجآفا مسجلة من قبل النساء، فيما ترفع دعاوي الطلاق أمام المحاكم الشرعية الحكومية بنسبة 90% من قبل الرجال، بحكم أن العصمة تكون بيد الرجل. بينما حين تلجأ المرأة إلى المحاكم الحكومية وتطالب بالطلاق وحقوقها الأخرى، من ناحية الإجراءات «تتأخر بشكل كبير، ومن ناحية أخرى هذه المحاكم متأثرة بالعقلية الذكورية بتأثير من الدين الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية السوري. بينما أمام محاكم الشعب وبيوت المرأة الإجراءات سريعة وتنال المرأة جميع حقوقها دون انتقاص، لذلك تلجأ النساء إلى هذه الهيئات».

ويرى المحامي الكردي أيضاً أن محاكم الشعب «أنشأت على أساس اجتماعي، أو على أساس العدالة الاجتماعية، ومهمتها حل المشاكل الاجتماعية، ومنها مشاكل الأسر وحالات الطلاق. وبيوت المرأة أنشأت للدفاع عن حقوق المرأة، بسبب وجود ظلم بحق المرأة نتيجة العقلية الذكورية المتسلطة السائدة في المجتمع، أي أنشأت بيوت المرأة كصمام أمان لحقوق المرأة ومشاكلها والأطفال والنفقة والطلاق. وتتدخل بيوت المرأة في المشاكل بين الأزواج كي تخفف العبء على المحاكم، ومن ثم تكون طرفاً في محاكم الشعب إلى جانب المرأة».

هل تتجاوب النساء مع بيت المرأة؟

تتدخل بيوت المرأة في حالات زواج القاصرات، وتطلّق القاصرة من زوجها، وبحسب سجلات بيت المرأة الشرقي في الحسكة فقط، هناك ما لا يقل عن 2 – 3 حالات في الشهر الواحد لزواج القاصرات، حيث يقوم بيت المرة فوراً بإيقاف هذا الزواج، ويتعرض الزوج ومنظم عقد الزواج للسجن.

في إحدى الحالات، رجل لم تنجب زوجته الأولى فتزوج من ثانية، فأنجبت له 4 بنات، وتزوج من ثالثة كي تنجب له البنين

وتؤكد نعيمة محمود، أنه «يحق للقاصر التي زوجت أن تشتكي على وليها حتى سنة بعد الزواج، حيث يتعرض للحبس والغرامة»، وأنهم يتدخلون في هذه الحالات حتى دون وجود شكوى.

وكذلك يتدخل بيت المرأة في قضايا زواج البدائل: «حيث تنتشر بين العوائل الضعيفة مادياً، ويرتبط مصير 4 أشخاص ببعضهم، وحين لا يتفق أحد الزوجين يكون على الزوجين الآخرين أيضاً الطلاق. وقانون المرأة الذي صدر عام 2014 يمنع زواج البدائل، ويتعرض الأطراف للجزاء».

إلا أن محمود تؤكد أنه «في حالات كثيرة، تحاول بعض النساء بأنفسهن منع تطبيق قوانين المرأة أمام محاكم الإدارة الذاتية»، وتضيف: «في إحدى الحالات، رجل لم تنجب زوجته الأولى فتزوج من ثانية، فأنجبت له 4 بنات، وتزوج من ثالثة كي تنجب له البنين، وما الفرق بين الصبيان والبنات! خاصة أن الزوج هو من صفوف ثورة روجآفا (رئيس كومين) وليس غريباً عنها ويعرف قوانيننا. وفي المحكمة قالت زوجته (أنا قمت بتزويجه برضاي وأنا من ذهبت وطلبتها له)، والحقيقة ليست كذلك، فأي امرأة ترضى وتقبل أن يتزوج زوجها من ثانية؟»

وعن حالات أخرى مشابهة تقول محمود: «يحدث أن تأتي المرأة إلينا بدعوى أن زوجها تزوج من ثانية، وتحدد تاريخ الزواج، ونحن نرفع القضية إلى النيابة والمحكمة، ثم تحدث تدخلات واتفاقات بينها وبين عائلة الزوج، وتغير أقوالها تحت القسم بأن الحادثة قديمة، أو أنها تطلقت من زوجها قبل أن يتزوج الثانية».

وتروي أيضاً أنه «قبل فترة تدخلنا في حالة زواج كان عمر الفتاة فيها 14 سنة، الفتاة وقفت أمامنا وقالت: (أنا أريد أن أتزوج، ومتى سمعتم عن مشاكل بيني وبين زوجي بإمكانكم محاسبتي!)، وماذا تعرف هذه الفتاة من الحياة؟ الأب هو المسؤول، وماذا ينفع التدخل بعد أن تبدأ المشاكل، أو كما يقال: بعد أن يقع الفأس على الرأس».

وتضيف محمود «تتعرض نساؤنا للكثير من الظلم، وفي كثير من الحالات نحن (بيت المرأة) نتولى تكاليف قضاياهن ومحاكمهن كمساعدة للمرأة، رغم أننا منذ عام 2011 بدون تمويل. كل عملنا وخدماتنا بدون راتب وبدون تمويل خدمة لهذا المجتمع وهذا الشعب. نحن ندرك وضع نساءنا، فحينما تلجأ امرأة إلينا بعد أن تترك بيتها فماذا يمكن أن تملك أصلاً؟»

تدخل بيت المرأة في حالات العنف الجسدي

كنت أظن أن الاعتداء الجسدي أمر طبيعي، فكل الأزواج من حقهم أن يصفعوا زوجاتهم أحياناً

«ساهم وقوف بيوت المرأة إلى جانب النساء الكرديات في قضايا العنف الأسري والطلاق وغيرها، بتحسين موقف المرأة الكردية، وتحويلها من كيان بلا حول ولا قوة، إلى ند للرجل»، تقول (ب. ش.) التي حصلت على الطلاق من زوجها بعد أن قام بالاعتداء عليها جسدياً، وتضيف لروك أونلاين: «لقد استعدت إنسانيتي».

ولا يزال المجتمع الكردي يعاني من وجود حالات العنف ضد المرأة وسوء المعاملة وجرائم الشرف وغيرها، ويوثق بيت المرأة الشرقي في الحسكة بالصور الكثير من هذه الحالات، منها – كما تروي نعيمة محمود – أن «إحدى الزوجات قد تعرضت لأذى كبير، ومن شدة الإصابة عندما قمنا بتحويلها إلى النيابة أعطت العنوان بشكل خاطئ، وريثما عدنا إليها وأخذنا منها العنوان الصحيح كان زوجها قد هرب إلى تركيا ولم نتمكن من اللحاق به»، وتضيف «إلا أن الكثير من الحالات التي تصلنا وتتعرض فيها الزوجات للضرب، يتلقى الأزواج العقوبات والجزاء».

وتذكر (ب. ش.) حياتها وفقاً للمفاهيم السابقة: «كنت أظن أن الاعتداء الجسدي أمر طبيعي، فكل الأزواج من حقهم أن يصفعوا زوجاتهم أحياناً – رغم أنني كنت أتلقى في بعض الأحيان ضرباً مبرحاً – وأن على المرأة ألا تعير المسألة أهمية، إلى أن بدأت بحضور اجتماعات بيت المرأة بشكل منتظم، حينها تفتحت عيناي وتغير الوضع».

وتضيف المرأة الأربعينية: «كان زوجي عصبياً، وزادت حالته المزاجية سوءاً مع تدهور أوضاعنا المادية خلال الأزمة السورية، وكنت أنا الجسد الذي يفرغ عليه غضبه من الوضع، وأتلقى الضرب منه بسبب كل صغيرة وكبيرة، كأي كلمة لا تعجبه، أو أصوات الأطفال أو الطعام الذي أطبخه».

«الرفيقات في بيت المرأة علمنني أن المرأة ليست أقل من الرجل، وليس للزوج أي حق بالاعتداء على زوجته، وأن بيت المرأة وجد ليكون سنداً لي ولأمثالي كي لا نسكت على الظلم ونرفضه، وشجعنني على عدم الاستسلام إن حاول زوجي أن يضربني مرة أخرى، وهذا ما حدث… اشتكيت عليه لبيت المرأة وحصلت على الطلاق، وتخلصت من ظلمه واستعدت إنسانيتي، وأنا الآن أقف منتصبة قوية وأرعى أطفالي بمساندة بيت المرأة».

ولكن، لقصة عبدو وسهام نهاية أخرى

فبعد أشهر قليلة من تفريقهما بسبب التحريض والتهديد الذي مارسه بيت المرأة على الزوجين، ركب الزوجان البحر، كل على حدة، واختارا اللجوء إلى أوروبا. «بعد وصولي إلى ألمانيا مع طفلي أواخر 2015، توفر لي الوقت للتفكير بما جرى وتفكك أسرتي وطلاقي من زوجي»، تقول سهام. وتضيف: «بدأت أراجع المشاكل التي وقعت بيني وبين زوجي، لأكتشف أنها كانت مشاكل سخيفة تم تضخيمها من قبل الرفيقات في بيت المرأة».

يتدخل عبدو بالحديث هنا قائلاً: «أنا بادرت بالخطوة الأولى، وأعتقد أنها كانت تنتظر مني ذلك، بدأت أتصل بها باستمرار، وبعد فترة قمت بزيارة الكامب الذي تقيم فيه لرؤية طفلي، وبعد عدة لقاءات، اتفقنا على إعادة جمع أسرتنا المتفككة وتزوجنا من جديد».

سهام، والتي أنجبت طفلها الثاني في ألمانيا تقول إن «تدخل الطرف الثالث بين الأزواج أمر سيء، ويدفع الطرفين للمكابرة ويهدم الأسر».

Leave a Reply