مشاركة
حمزة همكي
صحافي مقيم في قامشلو له العديد من التحقيقات والتقارير المنشورة في الصحف والمواقع المحلية.

وأنت تتجول بين المناطق في أرياف الحسكة وقامشلو، ستجد مساحات شاسعة على مد النظر من السهول الزراعية حيث تزداد التربة خصوبة كلما اتجهت شرقاً وشمالاً حيث سرير نهر دجلة الذي يمثل نهاية الحدود السياسية لسوريا مع كردستان العراق وتركيا المجاورة بحدودها كذلك لخط ما أطلق عليه لاحقاً (العشرة).

في الوقت الراهن، إذ يمضي العام الحالي 2017 قدماً إلى نهايته، سيصدم من زار تلك المناطق في السنوات التي سبقت الحرب الدامية التي تشهدها البلاد عرضاً وطولاً، وخلفت أكثر من نصف مليون قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين وملايين المهجرين وتدمير شبه كامل للبنى التحتية. سيصدم من رؤية آبار معطلة كانت في السابق تسقي جزءاً كبيراً من تلك المزروعات، وتدر على البلاد «ذهباً».

في أواسط أيار/مايو 2014، دقت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ناقوس الخطر، وحذرت من استمرار تدهور مستوى الأمن الغذائي في سوريا بسبب الظروف المناخية واستمرار حالة الجفاف، إلى جانب استمرار الصراع وتفاقم الأوضاع الأمنية. إذ أشارت التوقعات حينها إلى احتمال حدوث تراجع كبير في إنتاج الحبوب، كالقمح والشعير، والتي تعتبر من أهم الموارد الغذائية للمواطن.

فبعد دخول البلاد في العام 2011، بلغت نسبة التراجع في الإنتاج الزراعي 56%، مما تسبب في نقص كبير وحاد في مادة الطحين والخبز التي تعتبر القوت اليومي والغذاء الرئيسي لمعظم السوريين.

تراجع مستمر في مساحات الأراضي المروية في الجزيرة

تعتبر منطقة الجزيرة مستودعاً لمادة القمح الاستراتيجية بالنسبة لسوريا، إذ كانت تسهم وحدها بنحو 36% من إنتاج القمح في سوريا، بحسب الخارطة الاستثمارية الزراعية في وزارة الزراعة في حكومة النظام السوري لعام 2007، وبحسب تقرير تفصيلي أصدرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة عن الزراعة في الشرق الأوسط والأدنى، فقد بلغت المساحات الزراعية المروية في مناطق الحسكة 28% بالنسبة لكامل سوريا حتى عام 2008 العام الذي نشر فيه التقرير، وفي العام 2004، قدرت مساحة الأراضي الكلية المجهزة للري بنحو 1,1 مليون هكتار، يتركز معظمها (33.1%) في محافظة الحسكة.

ي السابق كانت سقاية الأراضي غير مكلفة من الناحية المادية، فكل شيء كان متوفراً من وقود وقطع مضخات المياه والأيدي العاملة، بخلاف ما هو الوضع عليه الآن

كانت أراضي السقي منتشرة في منطقة الجزيرة بكثرة ما قبل سنوات الحرب، إلا أن نسبة زراعة القطن تراجعت إلى أدنى مستوياتها وفق تقارير النظام السوري، ووفق مزارعين كانوا يشتغلون في زراعة القطن سابقاً تحدثوا لروك أونلاين، فضلاً عن التراجع في زراعة القمح مروياً إلى حد كبير.

يقول السيد عبد الحيكم يوسف وهو أحد المزارعين القدامى في منطقة ديرك: «في السابق كانت سقاية الأراضي غير مكلفة من الناحية المادية، فكل شيء كان متوفراً من وقود وقطع مضخات المياه والأيدي العاملة، بخلاف ما هو الوضع عليه الآن».

ويضيف القول: «قدمت اللجان الخاصة بالزراعة في الإدارة الذاتية خلال العامين الماضيين عروضاً كثيرة للفلاحين في منطقة ديرك بهدف زراعة الخضروات، وتكفلوا بتقديم كافة التسهيلات لمن يود المشاركة والزراعة، لكن الفلاحين لم يقبلوا العرض، ربما لأننا في هذه المنطقة تعودنا على زراعة الحبوب بالدرجة الأولى».

قلة الأيدي العاملة

أشارت العديد من التقارير الزراعية الصادرة عن مؤسسات دولية وسورية إلى انخفاض حاد في الأيدي العاملة الزراعية في عموم سوريا، إذ أظهر استقصاء قام به مشروع جامعة طوكيو (2016) للدراسات الأجنبية للشرق الأوسط، تراجعاً في أعداد العاملين في القطاع الزراعي إلى النصف. أما استقصاء الجامعة نفسها لعام 2017 فقد بين «تراجعاً كبيراً في نسبة العاملين في القطاع الزراعي عما كان عليه في العام الماضي بسبب عدم تأمين مستلزمات هذا القطاع، وبصورة خاصة ارتفاع أسعار الوقود، وعدم وجود أسواق خارجية للإنتاج الزراعي، هذا إضافة إلى الصعوبات التي اعترضت المزارعين في المحافظة على أمن منتجاتهم ونقلها داخلياً».

ولعل أكثر المناطق تضرراً من انخفاض الأيدي العاملة الزراعية في سوريا هي منطقة الجزيرة، إذ لا يستطيع أصحاب الأراضي العمل فيها لوحدهم بسبب الحجم الكبير نسبياً للملكية الزراعية في الجزيرة مقارنة مع باقي المناطق السورية، والتي لا تتجاوز بضع دونمات مقارنة مع أضعاف هذا المتوسط في الجزيرة.

بعد العام 2012 توقفت زراعة القطن بشكل شبه تام في مناطقنا لأن النظام لم يكن يشتري المحصول كما كان في السابق

وكما أوضح الاستقصاء الذي قامت به جامعة طوكيو، فإن أسباب كثيرة ساهمت في انخفاض الأيدي العاملة في القطاع الزراعي، إلا أن معظمها تتمحور حول الجدوى الاقتصادية من استخدام الأيدي العاملة بالنسبة لأصحاب الأراضي، ورغم أن الإدارة الذاتية تمكنت من تأمين الوقود للمشاريع الزراعية في المنطقة، إلا أن الأسعار المرتفعة لقطع الغيار وعدم توفرها معظم الأحيان، ساهم في ارتفاع تكاليف الزراعة المروية على حساب تقليص هامش الربح، وبالتالي القدرة على تشغيل العمال الزراعيين.

وكانت زراعة القطن من أبرز الزراعات التي تحتاج الكثير من الأيدي العاملة في مراحلها المختلفة وخصوصاً أثناء سقاية المحصول ومن ثم جنيه، إلا أنها المخاطر التي واجهتها خلال الأعوام الماضية لم تقتصر على مجرد «ارتفاع التكاليف» وانخفاض هامش الربح، بل وصلت إلى عدم القدرة على تسويق الإنتاج وبيعه، وبالتالي مواجهة احتمال خسارة كبيرة لا يقوى المزارعون على تحملها.

ويشرح المزارع عبد الحكيم يوسف، وهو من أهالي قرية روباريا القريبة من ديرك، في حديث لروك أونلاين: «بعد العام 2012 توقفت زراعة القطن بشكل شبه تام في مناطقنا لأن النظام لم يكن يشتري المحصول كما كان في السابق، فبقيت سقاية الحنطة، ورويداً رويداً ترك الكثير من المزارعين موضوع الزراعة بالري بسبب التكاليف الزائدة من صيانة المضخات وقطع الغيار، لذلك وجدوا أن التوقف عن سقاية الحنطة أفضل من الاستمرار بها لأن الفائدة التي كانوا يجنونها من زراعة القطن أضعاف فوائد الحنطة».

منطقة زراعية بدون هيئة للزراعة

على الرغم من أن منطقة الجزيرة التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية منذ منتصف 2012 تعتمد على ما تدره الزراعة بشكل أساسي اقتصادياً بعد النفط بنسبة 75%، فإن الإدارة، وفي خطوة يعتبرها البعض غريبة، لم تقم بإنشاء هيئة خاصة للزراعة كما الهيئات الأخرى في مختلف المجالات.

ويقول محمد نذير محمد، الإداري في لجنة الزراعة التابعة لهيئة المالية والاقتصاد بمنطقة تربه سبيه، في حديث لروك أون لاين إن «الإدارة الذاتية لم تقم بإنشاء هيئة للزراعة كون الزراعة تندرج في الإطار الاقتصادي ككل»، مستدركاً: «لكن من المقرر أن يتم إنشاء هيئة خاصة بالزراعة في الفترة المقبلة».

مستقبل منطقة سيطرة الإدارة الذاتية الاقتصادي يتوقف على مدى إنتاج المحاصيل، لأن الزراعة هي العماد شبه الوحيد للاقتصاد في المناطق الكردية

وعن واقع الأراضي التي كانت تزرع بطريقة الري يقول محمد إن وضع هذه الأراضي بحاجة إلى إمكانيات كبيرة، إذ إن معظم آبارها معطلة بسبب غلاء أسعار قطع محركات ضخ المياه.

وخصصت الإدارة للمشاريع الزراعية المروية كميات محددة من الوقود تعطى للمزارعين بأسعار خاصة، وفق الإداري محمد نذير، لكنه لا يخفي ما يعانيه هذا القطاع من معوقات كبيرة.

ويرى مهندسون زراعيون في منطقة قامشلو أن الزراعة المروية في الجزيرة لو استمرت على الوضع الراهن سيأتي يوم تنقرض فيه المشاريع الزراعية في المنطقة، وسيكون لها تأثير سلبي كبير على الانتاج المحلي وستضطر البلاد إلى استيراد القمح بدل التصدير.

ويقول المهندس الزراعي أحمد الشلال في حديث لروك أونلاين إنه على الجهات المعنية في الإدارة الذاتية تكثيف الجهود حول إصلاح الآبار وتقديم المساعدات للمزارعين ليقوموا بإعادة تأهيل مشاريعهم.

ويضيف: «مستقبل منطقة سيطرة الإدارة الذاتية الاقتصادي يتوقف على مدى إنتاج المحاصيل، لأن الزراعة هي العماد شبه الوحيد للاقتصاد في المناطق الكردية».

تحتاج الإدارة الذاتية إلى أخذ تراجع الإنتاج الزراعي في منطقة الجزيرة على محمل الجد ووضع خطط تساهم في تحسين وضع المنطقة، عبر تأمين احتياجات المزارعين، وتأمين سوق لتصريف المنتجات الزراعية للمعامل المختصة في باقي المناطق السورية، أو حتى تشجيع الاستثمار في المنطقة لمعامل الصناعات الغذائية والنسيج. وإلى ذلك الحين، فإن سلة غذاء الشعب السوري، كما كانت تسمى منطقة الجزيرة حينما كانت تجعل من سوريا دولة مصدرة للقمح، سيبقى ساكنها يبحث أحياناً عن ربطة خبزٍ عله يطعم أطفاله ولو بسعر يبلغ أضعاف ما كان عليه في السابق.

Leave a Reply