الرئيسية رأي عن ديار بكر المهانة كردياً

عن ديار بكر المهانة كردياً

حسين جمو
كاتب كردي من سوريا متخصص بالشؤون الكردية في الشرق الأوسط، له العديد من المقالات في المواقع والصحف الكردية والعربية، كما نشر عدة أبحاث حول القضية الكردية في تركيا وسوريا
مشاركة

تداول عدد كبير من الكرد المنتمين جغرافياً إلى روجآفا (غرب كردستان) صورة لمظاهرة تضامنية مع القدس أمام الجامع الكبير في آمد – ديار بكر. الصورة أثارت حفيظة معظم من تداولها من مبدأ غريب ومنتشر بشدة بين كرد روجآفا: الحط من مكانة الكرد في شمال كردستان، وتحديداً سكان مدينة آمد، العاصمة غير الرسمية لكردستان بأجزائها الأربعة.

بعض من علّق على الصورة أخذه الحماس بعيداً بالطلب من حزب العمال الكردستاني والتيار السياسي المقرب منه الكف عن اعتبار المدينة معقله الرئيسي. وغالباً تترافق هذه التعليقات مع سيل من الشتائم المهينة بحق المدينة وسكانها الكرد، ثم تتسع الشتائم لتطال كل الكرد في شمال كردستان.

الواقع أن ظاهرة شتم الكرد الديار بكريين ظاهرة لها جذورها في التنافس بين التيارات الكردية قبل عقود طويلة. بالتأكيد الاستنتاج ليس مبنياً على أدلة كثيفة سوى تحليل لبرامج سياسية مطروحة، وعلى رأسها التنافس بين البدرخانيين وآل جميل باشا في جمعية خويبون، ومساعي آل بدرخان جعل بوطان مركزاً لكردستان. حينها – كما يفعل كرد روجآفا اليوم – كان آل بدرخان يعيّرون في مجالسهم الخاصة سكان ديار بكر بأنهم «لا يتحركون». ووصل هذا التنافس مرة أن أمين عالي بدرخان وافق على خريطة لكردستان لا تشمل ديار بكر، وافترض أن بوطان (جزير) هي عاصمة هذه الدولة، وهو نهج سار عليه لاحقاً أبناؤه.

كثير من التسطيح الذي يتفجر لدى جيش الشتّامين الروجآفايين تجاه ديار بكر تفسيره الأول ضعف الاطلاع وسذاجة قراءة التاريخ القريب. ديار بكر إلى جانب كونها أهم مدينة شرقي الفرات، أو بصورة أشمل، أهم مدينة من كافة النواحي بين طهران واسطنبول، هي أكبر مقر عسكري للجيوش منذ معركة جالديران عام 1514. طيلة سنوات الحرب العالمية الأولى وحتى ثورة شيخ سعيد بيران سنة 1925، كانت المدينة مكبلة بكل من الجيش السابع المرابط على أسوارها، والجيش السادس على طريق موش، والجيش الثامن والجيش التاسع. كافة الجيوش العثمانية في كردستان تحولت بعد الحرب العالمية الأولى إلى تنفيذ مهمة رئيسية: تحييد ديار بكر عن أي ثورة كردية، وإلى حد كبير نجح هذا المخطط خلال ثورة شيخ سعيد التي لم تلق استجابة من ديار بكر، لكن أيضاً لم تكن هناك استجابة للثورة في مناطق بوطان. وأسباب عدم الاستجابة لها تفسيراتها المتعددة.

بعد تأسيس الجمهورية تم تنفيذ سياسات التهجير والتتريك. ولا يقصد بالتتريك مجرد الإجبار على التحدث بالتركية في الشوارع والمقاهي داخل ديار بكر، بل توجيه السكان إلى الاستماع لإذاعة أنقرة داخل المنزل، وتوزيع أجهزة راديو مجانية على الكثير من السكان من أجل إدخال اللغة التركية إلى منازلهم. هذا الأمر حدث في ديار بكر وليس غيرها. وموجات التهجير الثلاث التي نفذتها السلطات الجمهورية من عام 1916 وحتى عام 1933 كانت تستهدف ديار بكر تحديداً، التي كان منظّر القومية التركية، ضياء كوك ألب،  يعتبرها امتحان القومية التركية وجائزتها الكبرى.

عادت ديار بكر إلى تصدر الوجدان القومي بقوة وبشكل لا تنازعها في هذه المكانة أي مدينة أخرى مع ظهور حزب العمال الكردستاني الذي اتخذ منها رمزاً للوحدة الكردستانية، وظهرت مئات الأغاني القومية لتعزز من الرصيد القومي لعاصمة كردستان. ومسيرة سيادة المدن كرموز قومية موضوع آخر ولا يدخل في سياق الطرح الحالي في تفسير جذور الشتيمة الموجهة إلى شمال كردستان.

إذا عدنا إلى المدينة اليوم، نجد أن 200 ألف من سكانها تم تهجيرهم، وأحياء السور القديمة تمت إزالتها بالجرافات وتشريد سكانها. أكثر من عشرة آلاف كادر من حزب الشعوب الديمقراطي معتقلون في السجون أو ملاحقون قضائياً، ومركز نشاطهم الرئيسي ديار بكر. الاستخبارات التركية تخنق أنفاس المدينة بإجراءات يمكن الاطلاع عليها حتى من الصحف التركية الموالية للدولة. ديار بكر اليوم مدينة منكوبة سياسياً بشكل كامل، وعمرانياً بشكل يطال ثلث المدينة. فهي بحاجة إلى التضامن وليس العكس. ديار بكر شهدت أكبر احتفال في تاريخها ليلة إعلان تحرير كوباني لكنها اليوم عاجزة عن التضامن حتى مع نفسها لأسباب أمنية قاهرة. لا توجد مدينة كردية أفشلت خطط دولة الاحتلال كما فعلت ديار بكر.  لكن في لحظة حماس «بدرخانية»، تتعرض المدينة وسكانها للشتم من قبل أناس لم يتضامنوا مع مدنهم وبلداتهم ذاتها في المحن الكبرى.

لكن الأغرب من هذا كله أن الصورة التي تداولها هؤلاء قدمت لهم استنتاجاً أن ديار بكر مدينة مليئة بالعمالة، بل مدينة عميلة. مع العلم أن الصورة المتداولة أمام الجامع الكبير لا يظهر فيها أكثر من 2500 شخص. وهناك جهات سياسية كردية وتركية راقها الأمر فقامت بإخراج صورة لاحتفالات المولد النبوي في عام 2012 والذي نظمه حزب هُدى بار (حزب الله) ونشرها على أنها صورة لتضامن كرد ديار بكر مع القدس. بالتأكيد ليست المشكلة في التظاهر من أجل المناسبة، بل استخدامها لنزع الصفة القومية عن مدينة بأكملها بسبب حشد جاء إلى صلاة الجمعة واستجاب جزء منهم لتنظيم الوقفة التضامنية بدعوة من جهات إسلامية خاضعة للمكتب الإسلامي في الاستخبارات التركية. لكن غاب عن الانضمام لهؤلاء الـ2500 أو الـ3 آلاف متظاهر نحو 800 ألف شخص شاركوا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

حزب الشتامين لا يقتنع بهذا الأمر، بل يطرح على الفور: إذاً أين هؤلاء الـ800 ألف من كركوك (وهل خرجت مظاهرة في أربيل؟!) أين هؤلاء من روجآفا؟ أين هؤلاء من قريتي ذات الـ70 نسمة و10 بيوت في روجآفا؟ أين هؤلاء من انقطاع الكهرباء في باشور؟ لماذا لا يخرج هؤلاء من أجل دميرتاش؟ طرح هذه الأسئلة ليس بغرض البحث عن إجابات، بل هي تعبير عميق عن الأمية السياسية، والأمية الاجتماعية، وقلة احترام عدد شهداء شمال كردستان في روجآفا. هناك افتراض غير واقعي لدى هؤلاء أن على سكان ديار بكر التحرك وفق رؤى محددة. أن يكونوا روبوتات احتجاج على كل شيء يخص الكرد. حتى في عز التدمير الممنهج لديار بكر قبل عامين كانت الأصوات تخرج: أين كورد الشمال من كذا وكذا؟ يقوم هؤلاء ببناء تصور تجاه الكرد في شمال كردستان عبر نزع صفة «الإنسان» عنهم. لا اعتبار لجوعهم والتنكيل بهم وملاحقتهم وتدمير منازلهم وتهجيرهم. عليهم دائماً أن يكونوا على أهبة الاستعداد لقضية هذا الكردي الروجآفاوي الذي يتصرف وكأنه «آغا القضية الكردية» وأهل ديار بكر «فلاحون» لديه لا احتياجات لهم سوى تنفيذ الكاتلوغ القومي للكسالى.

لكن هناك ما هو أغرب كثيراً من كل ما ذكر. الجماعات التي تخرج في مناسبات دينية في ديار بكر، ومن بينها حزب هدى بار، لديهم ولاءات على المستوى الكردستاني أيضاً، بالتأكيد ليسوا موالين لحزب العمال الكردستاني، لكنهم «يحبون» قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وتاريخه النضالي ويفتخرون به، وهذا ليس خافياً ولا يخفونه.

الغرابة هنا أن كل الشتامين لديار بكر الجريحة هم من أنصار هذا التيار الأخير أو الدائرين في فلكه وجدانياً.

هناك جانب آخر من سوء الفهم والالتباس الذي يسهل وقوع الشتّامين فيها، وهو الاختلاف الجذري بين طبيعة العمل السياسي وفلسفة النشاط الحزبي بين كل من شمال كردستان وبين الأحزاب التقليدية في الأجزاء الأخرى. وقد يكون المثال التالي كافياً لإضاءة بعض الفروقات في طبيعة العمل بين النموذجين:

إحدى الأمثلة على عمق التغيير الذي تقوم به الطبقة السياسية في شمال كردستان تجلى في عملية تغطية عبارة أتاتورك المهينة في ديار بكر: «كم سعيد من يقول إنه تركي». تغطية العبارة عبر أشجار تحيط باللوحة العملاقة وتحجبها جزئياً بحيث تبدو غير قابلة للقراءة كاملة من كل الزوايا. هذا العمل لوحده، رغم سهولة إزالته، استغرق 13 سنة من العمل، وانتظار الشجرة لتنمو!

أما العامل الآخر فيحتاج إلى إطالة في مقام آخر، وملخصه أن جماعة الشتيمة في روجآفا يعتقدون أن أسوأ خطر وجودي طال الكرد في التاريخ منذ 3 آلاف عام هو حزب البعث، وأن تركيا نظام ديمقراطي مقارنة به!

Leave a Reply