الرئيسية رأي هزيمة داعش وتغير وسائل الإرهاب

هزيمة داعش وتغير وسائل الإرهاب

غولاي ظاظا

صحافية كردية من سوريا، تعنى بالوضع الإنساني وبتداعيات سيطرة داعش على الحياة الاجتماعية للسكان. تكتب مقالات اجتماعية وسياسية، وتنشر في عدد من الصحف والمجلات والمواقع العربية.

مشاركة

بعد الإعلان عن هزيمة داعش في سوريا والعراق، لم تتبقّ سوى مساحات قليلة ملونة بالأسود على خريطة البلدين في مناطق حدودية معزولة. إلا أن ما يبدو انتصاراً ساحقاً للقوى المحررة إنما ينطوي على هاجس يظهر في تصريحات المنتصرين، وهو كيفية اتمام الانتصار على بقايا هذا التنظيم الذي لن يكون مسيطراً على مدن وبلدات كبيرة يسهل تحديدها ورسم خرائط لانتشارها كما كان منذ احتلال التنظيم مدن الرقة والموصل ودير الزور.

من الناحية العسكرية، ما تحقق هو انتصار كبير ونهاية لكابوس تسبب بخسائر كبيرة تفككت معها مجتمعات محلية بفعل عمليات الخطف والتهجير والحرب، وتكدست المناطق المستقرة نسبياً بالمخيمات التي تأوي النازحين جراء الحرب والعمليات العسكرية ضد التنظيم، لكن من الناحية الأمنية، ما زالت درجة المخاطر مرتفعة، فالتنظيم الإرهابي تلاشى من حيازة مساحات على الأرض إلى عصابات متخفية لم يعد أمامها سوى شن هجمات فردية ضد أهداف حيوية في المناطق المحررة، أي أن المخاطر الأمنية عادت إلى فترة ما قبل ظهور داعش، والتي كانت فترة بعيدة عن الاستقرار تماماً.

ففي عام 2011، أي قبل ظهور داعش، بلغ عدد الهجمات الإرهابية في العراق 1228 هجوماً أسفرت عن مقتل 1798 شخصاً، أي بمعدل 23 هجوماً كل أسبوع. ووقع نصف هذه الهجمات في بغداد وفقاً لإحصائية نشرها معهد الاقتصاد والسلام الدولي، ولا تشمل هذه الأعداد القتلى الذين يقعون ضحايا لعمل مدعوم من الحكومة، مثل الغارات الجوية أو أشكال أخرى من العمليات. وتعمل بعض العمليات التي تنفذها تنظيمات إرهابية «بلا أرض» على إحداث انهيار أمني كبير في البلد، كما حدث في تفجيرات 13 يونيو/حزيران 2012 في بغداد، والتي استخدم فيها 16 عبوة ناسفة و 17 سيارة مفخخة وخمس هجمات مسلحة في مناطق مختلفة من المدينة، راح ضحيتها أكثر من 100 شخص مع إصابة 284 آخرين بجروح.

بعد ظهور داعش وسيطرته على مساحة جغرافية تعادل مساحة بريطانيا خلال عام 2015، ارتفعت أرقام الهجمات الإرهابية مع تنفيذ التنظيم هجمات في 252 مدينة في العالم، بحسب إحصائية أخرى لمعهد الاقتصاد والسلام. كما اتسع نطاق الدول التي شهدت عمليات إرهابية في عام 2016 إلى 77 دولة مقارنة بـ65 دولة في عام 2015.

إن هذه العينات من نشاط «الإرهاب المتجوّل» تظهر صورة قاتمة لمستقبل المناطق التي تشهد اضطرابات سياسية ناجمة عن الشرخ بين المكونات الاجتماعية في البيئات المحلية، فضلاً عن أسباب أخرى غير خافية، وهي مصلحة بعض الدول في تعطيل دورة الحياة السياسية في البلد المعني.

الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من هذه الأرقام هو أن المناطق المحررة من التنظيم معرضة لتهديدات تستهدف إثارة اضطرابات أمنية واجتماعية عبر الهجمات التي جربتها التنظيمات الإرهابية مسبقاً في العراق. وهذا النوع من التحدي يتطلب تغييراً في استراتيجية المكافحة، من الاعتماد على بناء جيوش حرب إلى بناء قوات أمن محلية، وهو ما يعمل عليه التحالف الدولي في شمال سوريا، بحسب وزارة الدفاع الأميركية التي أعلنت دون مواربة أنها ستبقى تدعم حليفتها قوات سوريا الديمقراطية لبناء قوة أمن محلية تحفظ الاستقرار في المناطق المحررة.

وإلى جانب ضرورة بناء قوات أمن محلية، قالت قوات سوريا الديمقراطية، التي أنجزت تحرير معظم الريف الشرقي لمحافظة ديرالزور بعد الرقة، إن مرحلة ما بعد داعش لديها «مهام استراتيجية تتمثل في تأسيس الحياة السلمية وإعادة إعمار البنى التحتية»، بحسب بيان لها خلال إعلان التحرير. وتتفق الرؤية الأميركية مع المهام التي حددتها قوات سوريا الديمقراطية، إذ أكدت وزارة الدفاع الأميركية في بيان لها على «استعادة الخدمات العامة الاساسية، وتنفيذ عمليات إزالة الألغام وتوزيع مساعدات إنسانية»، بمعنى أن الهدف هو تحقيق الاستقرار في المناطق المحررة.

إن تغير البيئة الأمنية في المنطقة من مواجهة تنظيم واضح المعالم على الأرض إلى تنظيم متخفي يعتمد على عمليات خاطفة ودامية، يرسم معالم تحديات من نوع مختلف. فمن شأن الشكوك الأمنية الدائمة أن تزيد من أجواء الريبة تجاه الأفراد، مثل عمليات تفتيش متكررة بناء على الشبهات الأمنية، ونفور قطاعات اجتماعية من الإعاقة التي تسببها هذه الأجواء على بيئة العمل اليومي. ما يعني أن الانتعاش الاقتصادي قد يكون بعيد المنال في المرحلة الأولى من إعادة الإعمار، وهذا ما يزيد من الاعتماد على المساعدات والهبات الدولية في مجال إغاثة السكان.

Leave a Reply